وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَا يَنْصُرُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَحَدٌ فَيَدْفَعُ عَنْهُمْ بِنُصْرَتِهِ عَذَابَ اللَّهِ، لَا بِقُوَّتِهِ وَلَا بِشَفَاعَتِهِ وَلَا غَيْرِهِمَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٥٣] أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى الْإِيتَاءِ: الْإِعْطَاءُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ، وَالْكِتَابُ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ التَّوْرَاةُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ [البقرة: ٨٧] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَأَرْدَفْنَا وَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ، كَمَا يَقْفُو الرَّجُلُ الرَّجُلَ إِذَا سَارَ فِي أَثَرِهِ مِنْ وَرَائِهِ. وَأَصْلُهُ مِنَ الْقَفَا، يُقَالُ مِنْهُ: قَفَوْتُ فُلَانًا: إِذَا صِرْتُ خَلْفَ قَفَاهُ، كَمَا يُقَالُ دَبَرْتُهُ: إِذَا صِرْتُ فِي دُبُرِهِ
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٥١] مِنْ بَعْدِ مُوسَى
وَيَعْنِي ﴿بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧] الْأَنْبِيَاءَ، وَهُمْ جَمْعُ رَسُولٍ، يُقَالُ: هُوَ رَسُولٌ وَهُمْ -[٢٢٠]- رُسُلٌ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ صَبُورٌ وَهُمْ قَوْمٌ صُبُرٌ، وَهُوَ رَجُلٌ شَكُورٌ وَهُمْ قَوْمٌ شُكُرٌ. وَإِنَّمَا يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧] أَيْ أَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا عَلَى مِنْهَاجٍ وَاحِدٍ وَشَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى زَمَانِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا بَعَثَهُ يَأْمُرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِإِقَامَةِ التَّوْرَاةِ وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهَا وَالدُّعَاءِ إِلَى مَا فِيهَا، فَلِذَلِكَ قِيلَ: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧] يَعْنِي عَلَى مِنْهَاجِهِ وَشَرِيعَتِهِ، وَالْعَمَلِ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ بِهِ