الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾
وَمَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠] سَاءَ مَا اشْتَرُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ. وَأَصْلُ بِئْسَ بَئِسَ مِنَ الْبُؤْسِ، سُكِّنَتْ هَمْزَتُهَا ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْبَاءِ، كَمَا قِيلَ فِي ظَلِلْتُ ظِلْتُ، وَكَمَا قِيلَ لِلْكَبِدِ: كِبْدٌ، فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الْبَاءِ إِلَى الْكَافِ لَمَّا سَكَنَتِ الْبَاءُ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِئْسَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا بِئْسَ مِنْ لُغَةِ الَّذِينَ يَنْقُلُونَ حَرَكَةَ الْعَيْنِ مِنْ فَعَلَ إِلَى الْفَاءِ إِذَا كَانَتْ عَيْنُ الْفِعْلِ أَحَدٍ حُرُوفِ الْحَلْقِ السِّتَّةِ، كَمَا قَالُوا مِنْ لَعِبَ لِعْبَ، وَمِنْ سَئِمَ سِئْمَ، وَذَلِكَ فِيمَا يُقَالُ لُغَةٌ فَاشِيَةٌ فِي تَمِيمٍ، ثُمَّ جُعِلَتْ دَالَّةً عَلَى الذَّمِّ وَالتَّوْبِيخِ وَوُصِلَتْ بِمَا. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى مَا الَّتِي مَعَ بِئْسَمَا، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: هِيَ وَحْدَهَا اسْمٌ، وَأَنْ يَكْفُرُوا تَفْسِيرٌ لَهُ، نَحْوَ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وَأَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ بَدَلَ مِنْ أَنْزَلَ اللَّهُ.


الصفحة التالية
Icon