الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] وَلِلْجَاحِدِينَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ عَذَابٌ مِنَ اللَّهِ إِمَّا فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴿مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] هُوَ الْمُذِلُّ صَاحِبَهُ الْمُخْزِي الْمُلْبِسُهُ هَوَانًا وَذِلَّةً. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَيُّ عَذَابٍ هُوَ غَيْرُ مُهِينٍ صَاحِبَهُ فَيَكُونُ لِلْكَافِرِينَ الْمُهِينُ مِنْهُ؟ قِيلَ: إِنَّ الْمُهِينَ هُوَ الَّذِي قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ الْمُورِثُ صَاحِبَهُ ذِلَّةً وَهَوَانًا الَّذِي يَخْلُدُ فِيهِ صَاحِبُهُ لَا يَنْتَقِلُ مِنْ هَوَانِهِ إِلَى عِزٍّ وَكَرَامَةٍ أَبَدًا، وَهُوَ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ أَهْلَ الْكُفْرِ بِهِ وَبِرُسُلِهِ؛ وَأَمَّا الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُهِينٍ صَاحِبَهُ: فَهُوَ مَا كَانَ تَمْحِيصًا لِصَاحِبِهِ، وَذَلِكَ هُوَ كَالسَّارِقِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يَسْرِقُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِهِ الْقَطْعُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَالزَّانِي مِنْهُمْ يَزْنِي فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعَذَابِ، وَالنَّكَالِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ كَفَّارَاتٍ لِلذُّنُوبِ الَّتِي عُذِّبَ بِهَا أَهْلُهَا، وَكَأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَةِ بِمَقَادِيرِ أَجْرَامِهِمْ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا لِيُمَحَّصُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَذَابًا فَغَيْرُ مُهِينٍ مَنْ عُذِّبَ بِهِ، إِذْ كَانَ تَعْذِيبُ اللَّهِ إِيَّاهُ بِهِ لِيُمَحِّصَهُ مِنْ آثَامِهِ ثُمَّ يُورِدُهُ مَعْدِنَ الْعِزِّ وَالْكَرَامَةِ وَيُخَلِّدُهُ فِي نَعِيمِ الْجِنَانِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ١١] وَإِذَا قِيلَ لِلْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ -[٢٥٥]- لِلَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿آمِنُوا﴾ [البقرة: ٩] أَيْ صَدِّقُوا ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩٠] يَعْنِي بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ﴾ [البقرة: ٩١] أَيْ نُصَدِّقُ ﴿بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] يَعْنِي بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى


الصفحة التالية
Icon