وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لَكُمْ وَعَبَدْتُمْ غَيْرَ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَنْبَغِي لِغَيْرِ اللَّهِ. وَهَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ لِلْيَهُودِ، وَتَعْيِيرٌ مِنْهُ لَهُمْ، وَإِخْبَارٌ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا فَعَلُوا مَا فَعَلُوا مِنِ اتِّخَاذِ الْعِجْلَ إِلَهًا وَهُوَ لَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، بَعْدَ الَّذِي عَلِمُوا أَنَّ رَبَّهُمْ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي يَفْعَلُ مِنَ الْأَعَاجِيبِ وَبَدَائِعِ الْأَفْعَالِ مَا أَجْرَاهُ عَلَى يَدَيْ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا فِرْعَوْنُ وَجُنْدُهُ مَعَ بَطْشِهِ وَكَثْرَةِ أَتْبَاعِهِ، وَقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِمَا عَايَنُوا مِنْ عَجَائِبِ حُكْمِ اللَّهِ؛ فَهُمْ إِلَى تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُحُودِ مَا فِي كُتُبِهِمُ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهُمْ بِهَا مُؤْمِنُونَ مِنْ صِفَتِهِ وَنَعْتِهِ مَعَ بُعْدِ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَهْدِ مُوسَى مِنَ الْمُدَّةِ أَسْرَعُ، وَإِلَى التَّكْذِيبِ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنْ ذَلِكَ أَقْرَبُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣]
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة: ٦٣] وَاذْكُرُوا إِذْ أَخَذْنَا عُهُودَكُمْ بِأَنْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلْتُهَا إِلَيْكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا مِنْ أَمْرِي، وَتَنْتَهُوا عَمَّا نَهَيْتُكُمْ فِيهَا بِجِدٍّ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ وَنَشَاطٍ، فَأَعْطَيْتُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ مِيثَاقَكُمْ، إِذْ رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْجَبَلَ
أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ٩٣] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: وَاسْمَعُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَتَقَبَّلُوهُ بِالطَّاعَةِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ يَأْمُرُهُ بِالْأَمْرِ: سَمِعْتُ وَأَطَعْتُ، يَعْنِي بِذَلِكَ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ وَأَطَعْتُ أَمْرَكَ. كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]

-[٢٦٣]- السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ وَالتَّسْلِيمْ خَيْرٌ وَأَعْفَى لِبَنِي تَمِيمْ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ السَّمْعُ: قَبُولَ مَا يُسْمَعُ وَالطَّاعَةُ لِمَا يُؤْمَرُ. فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ٩٣] أَقْبَلُوا مَا سَمِعْتُمْ وَاعْمَلُوا بِهِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَمَعْنَى الْآيَةِ: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ أَنْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ، وَاعْمَلُوا بِمَا سَمِعْتُمْ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ، وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ


الصفحة التالية
Icon