الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] وَقُولُوا يَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْتَظِرْنَا وَارْقُبْنَا نَفْهَمْ وَنَتَبَيَّنْ مَا تَقُولُ لَنَا وَتُعَلِّمُنَا
كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] فَهِّمْنا بَيِّنْ لَنَا يَا مُحَمَّدُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] فَهِّمْنا بَيِّنْ لَنَا يَا مُحَمَّدُ " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ يُقَالَ مِنْهُ: نَظَرْتُ الرَّجُلَ أَنْظُرُهُ نَظْرَةً بِمَعْنَى انْتَظَرْتُهُ وَرَقَبْتُهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ -[٣٨٤]- الْحُطَيْئَةِ:
[البحر البسيط]
وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ أَعْشَاءَ صَادِرَةٍ | لِلْخِمْسِ طَالَ بِهَا حَوْزِي وَتَنْسَاسِي |
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] يَعْنِي بِهِ انْتَظِرُونَا. وَقَدْ قُرِئَ (أَنْظِرْنَا) بِقَطْعِ الْأَلِفِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا، فَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَرَادَ أَخِّرْنَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ:
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] أَيْ: أَخِّرْنِي. وَلَا وَجْهَ لِقِرَاءَةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أُمِرُوا بِالدُّنُوِّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاسْتِمَاعِ مِنْهُ وَإِلْطَافِ الْخِطَابِ لَهُ وَخَفْضِ الْجَنَاحِ، لَا بِالتَّأَخُّرِ عَنْهُ وَلَا بِمَسْأَلَتِهِ تَأْخِيرَهُمْ عَنْهُ. فَالصَّوَابُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنَ الْقِرَاءَةِ قِرَاءَةُ مَنْ وَصَلَ الْأَلِفَ مِنْ قَوْلِهِ:
﴿انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] وَلَمْ يَقْطَعْهَا بِمَعْنَى انْتَظِرْنَا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى (أَنْظِرْنَا) بِقَطْعِ الْأَلِفِ بِمَعْنَى أَمْهِلْنَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ -[٣٨٥]- الْعَرَبِ سَمَاعًا: أَنْظِرْنِي أُكَلِّمْكَ؛ وَذَكَرَ سَامِعَ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ اسْتَثْبَتَهُ فِي مَعْنَاهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَمْهَلَنِي. فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ صَحِيحًا عَنْهُمْ فَانْظُرْ وَأَنْظِرْنَا بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَوَصْلِهَا مُتَقَارِبَا الْمَعْنَى. غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ غَيْرَهَا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ:
﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] بِوَصْلِ الْأَلِفِ بِمَعْنَى انْتَظِرْنَا، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى تَصْوِيبِهَا وَرَفْضِهِمْ غَيْرَهَا مِنَ الْقِرَاءَاتِ