وَإِنَّمَا أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا مِنْ مَشَاعِرِ الْحَجِّ الَّتِي سَنَّهَا لَهُمْ، وَأَمَرَ بِهَا خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ سَأَلَهُ أَنْ يُرِيَهَ مَنَاسِكَ الْحَجِّ. وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ الْخَبَرِ، فَإِنَّهُ مُرَادٌ بِهِ الْأَمْرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَمَرَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وَجَعَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِبْرَاهِيمَ إِمَامًا لِمَنْ بَعْدَهُ. فَإِذَا كَانَ صَحِيحًا أَنَّ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ وَمِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَمِلَ بِهِ وَسَنَّهُ لِمَنْ بَعْدَهُ، وَقَدْ أَمَرَ نَبِيَّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّتَهُ بِاتِّبَاعِهِ فَعَلَيْهِمُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ [البقرة: ١٥٨]
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَمَنْ أَتَاهُ عَائِدًا إِلَيْهِ بَعْدَ بَدْءٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَكْثَرَ الِاخْتِلَافَ إِلَى شَيْءٍ فَهُوَ حَاجٌّ إِلَيْهِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]

وَأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً يَحُجُّونَ بَيْتَ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
يَعْنِي بِقَوْلِهِ يَحُجُّونَ: يُكْثِرُونَ التَّرَدُّدَ إِلَيْهِ لِسُؤْدِدِهِ وَرِيَاسَتِهِ. وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْحَاجِّ حَاجٌّ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي الْبَيْتَ قَبْلَ التَّعْرِيفِ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ لِطَوَافِ يَوْمِ النَّحْرِ


الصفحة التالية
Icon