رَاجِعُونَ، قَامَ رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَقُتِلَ " وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ التَّأْوِيلِ، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، مِنْ أَنْ يَكُونَ عَنَى بِهَا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِيَ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَصَفَ صِفَةَ فَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا مُنَافِقٌ يَقُولُ بِلِسَانِهِ خِلَافَ مَا فِي نَفْسِهِ وَإِذَا اقْتَدَرَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ رَكِبَهَا وَإِذَا لَمْ يَقْتَدِرْ رَامَهَا وَإِذَا نُهِيَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ بِمَا هُوَ بِهِ آثِمٌ، وَالْآخَرُ مِنْهُمَا بَائِعٌ نَفْسَهُ طَالِبٌ مِنَ اللَّهِ رِضَا اللَّهِ. فَكَانَ الظَّاهِرُ مِنَ التَّأْوِيلِ أَنَّ الْفَرِيقَ الْمَوْصُوفَ بِأَنَّهُ شَرَى نَفْسَهُ لِلَّهِ وَطَلَبَ رِضَاهُ، إِنَّمَا شَرَاهَا لِلْوُثُوبِ بِالْفَرِيقِ الْفَاجِرِ طَلَبَ رِضَا اللَّهِ. فَهَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ الْأَظْهَرُ مِنْ تَأْوِيلِ الْآيَةِ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ نُزُولِ الْآيَةِ فِي أَمْرِ صُهَيْبٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ، إِذْ كَانَ غَيْرَ مَدْفُوعٍ جَوَازُ نُزُولِ آيَةٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَالْمَعْنِيُّ بِهَا كُلُّ مَنْ شَمَلَهُ ظَاهِرُهَا. فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ وَصَفَ شَارِبًا نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ، فَكُلُّ مَنْ بَاعَ نَفْسَهُ فِي طَاعَتِهِ حَتَّى قُتِلَ فِيهَا أَوِ اسْتَقْتَلَ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ، فَمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] فِي جِهَادِ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ فِي أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْي عَنْ مُنْكَرٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ -[٥٩٥]- قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الرَّأْفَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَنَّهَا رِقَّةُ الرَّحْمَةِ؛ فَمَعْنَى ذَلِكَ: وَاللَّهُ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ بِعَبْدِهِ الَّذِي يَشْرِي نَفْسَهُ لَهُ فِي جِهَادِ مَنْ حَادَّهُ فِي أَمْرِهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَالْفُسُوقِ، وَبِغَيْرِهِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي عَاجِلِهِمْ وَآجِلِ مَعَادِهِمْ، فَيُنْجِزُ لَهُمُ الثَّوَابَ عَلَى مَا أَبْلَوْا فِي طَاعَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيُسْكِنُهُمْ جَنَّاتَهُ عَلَى مَا عَمِلُوا فِيهَا مِنْ مَرْضَاتِهِ