وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلًا يُبَشِّرُونَ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ بِجَزِيلِ الثَّوَابِ، وَكَرِيمِ الْمَآبِ؛ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] يُنْذِرُونَ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَكَفَرَ بِهِ، بِشِدَّةِ الْعِقَابِ، وَسُوءِ الْحِسَابِ وَالْخُلُودِ فِي النَّارِ ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] يَعْنِي بِذَلِكَ لِيَحْكُمَ الْكِتَابَ وَهُوَ التَّوْرَاةُ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفَ الْمُخْتَلِفُونَ فِيهِ فَأَضَافَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْحُكْمَ إِلَى الْكِتَابِ، وَأَنَّهُ الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ دُونَ النَّبِيِّينَ، وَالْمُرْسَلِينَ، إِذْ كَانَ مَنْ حَكَمَ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَالْمُرْسَلِينَ بِحُكْمٍ، إِنَّمَا يَحْكُمُ بِمَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَانَ الْكِتَابُ بِدَلَالَتِهِ عَلَى مَا دَلَّ وَصَفْهُ عَلَى صِحَّتِهِ مِنَ الْحُكْمِ حَاكِمًا بَيْنَ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَفْصِلُ الْقَضَاءَ بَيْنَهُمْ غَيْرُهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] وَمَا اخْتَلَفَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ وَهُوَ التَّوْرَاةُ ﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ [البقرة: ٢١٣] يَعْنِي بِذَلِكَ الْيَهُودَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا التَّوْرَاةَ، وَالْعِلْمَ بِهَا. وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ «أُوتُوهُ» عَائِدَةٌ عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢١٣] يَعْنِي بِذَلِكَ: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ حِجَجُ اللَّهِ، وَأَدِلَّتُهُ أَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَفِي أَحْكَامِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَنَّهُ الْحَقُّ