وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ آخَرُونَ، وَقَالُوا: لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ قَائِلُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا: «ضَرَبْتُكَ بِالْجَارِيَةِ وَأَنْتَ كَفِيلٌ» بِمَعْنَى: وَأَنْتَ كَفِيلٌ بِالْجَارِيَةِ، وَأَنْ تَقُولَ: «رَأَيْتُكَ أَبَانَا وَيَزِيدَ»، بِمَعْنَى: رَأَيْتُكَ وَأَبَانَا يَزِيدُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: إِيَّاكَ بِالْبَاطِلِ أَنْ تَنْطِقَ قَالُوا: فَلَوْ كَانَتِ الْوَاوُ مُضْمَرَةً فِي أَنْ لَجَازَ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا؛ وَلَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْوَاوِ مِنَ الْأَفَاعِيلِ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ أَنْ يَقَعَ عَلَى مَا قَبْلَهَا. وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوَاوَ مُضْمَرَةً مَعَ «أَنْ» يَقُولُ الشَّاعِرُ:
[البحر المتقارب]

فَبُحْ بِالسَّرَائِرِ فِي أَهْلِهَا وَإِيَّاكَ فِي غَيْرِهِمْ أَنْ تَبُوحَا
وَأَنَّ «أَنْ تَبُوحَا» لَوْ كَانَ فِيهَا وَاوٌ مُضْمَرَةٌ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ غَيْرِهِمْ عَلَيْهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَقَدْ أُخْرِجَ مَنْ غُلِبَ عَلَيْهِ مِنْ رِجَالِنَا وَنِسَائِنَا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَمَنْ سُبِيَ. وَهَذَا الْكَلَامُ ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ، وَبَاطِنُهُ الْخُصُوصُ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] كَانُوا فِي دِيَارِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ أُخْرِجَ مِنْ دَارِهِ، وَوَلَدِهِ مَنْ أُسِرَ، وَقُهِرَ مِنْهُمْ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦] يَقُولُ: فَلَمَّا فُرِضَ عَلَيْهِمْ قِتَالُ عَدُوِّهِمْ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، ﴿تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦]


الصفحة التالية
Icon