وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧] فَإِنَّهُ يَعْنِي لِلْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٨] إِنَّ عَلَامَةَ مُلْكِ طَالُوتَ الَّتِي سَأَلْتُمُونِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى صِدْقِي فِي قَوْلِي: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ عَلَيْكُمْ مَلِكًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ سِبْطِ الْمُمَلَّكَةِ ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨] وَهُوَ التَّابُوتُ الَّذِي كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا لَقُوا عَدُوًّا لَهُمْ قَدَّمُوهُ أَمَامَهُمْ وَزَحَفُوا مَعَهُ، فَلَا يَقُومُ لَهُمْ مَعَهُ عَدُوٌّ وَلَا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ نَاوَأَهُمْ، حَتَّى مَنَعُوا أَمْرَ اللَّهِ وَكَثُرَ اخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَسَلَبَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ يَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ، حَتَّى سَلَبَهُمْ آخِرَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِمْ آخِرَ الْأَبَدِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي سَبَبِ مَجِيءِ التَّابُوتِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ مَجِيئَهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ آيَةً لِصِدْقِ نَبِيِّهِمْ شمويل عَلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧] وَهَلْ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ سَلَبُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَرَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلَ مَجِيئَهُ آيَةً لِمُلْكِ طَالُوتَ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا سَلَبُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَدَأَهُمْ بِهِ ابْتِدَاءً؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مِنْ عَهْدِ مُوسَى، وَهَارُونَ يَتَوَارَثُونَهُ حَتَّى سَلَبَهُمْ إِيَّاهُ مُلُوكٌ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ آيَةً لِمُلْكِ طَالُوتَ وَقَالَ فِي سَبَبِ رَدِّهِ عَلَيْهِمْ مَا أَنَا ذَاكِرُهُ
وَهُوَ مَا: حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: ثني عَبْدُ الصَّمَدِ بْنِ مَعْقِلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، قَالَ: " كَانَ لعيلي الَّذِي رَبَّى شمويل ابْنَانِ شَابَّانِ أَحْدَثَا فِي الْقُرْبَانِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، كَانَ شَرْطُ الْقُرْبَانِ -[٤٦٠]- الَّذِي كَانُوا يَشْرُطُونَهُ بِهِ كُلَّابَيْنِ فَمَا أَخْرَجَا كَانَ لِلْكَاهِنِ الَّذِي يَسْتَوْطِنُهُ، فَجَعَلَ ابْنَاهُ كَلَالِيبَ، وَكَانَا إِذَا جَاءَ النِّسَاءُ يُصَلِّينَ فِي الْقُدْسِ يَتَشَبَّثَانِ بِهِنَّ. فَبَيْنَا شمويل نَائِمٌ قِبَلَ الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ يَنَامُ فِيهِ عيلي، إِذْ سَمِعَ صَوْتًا يَقُولُ: أشمويل فَوَثَبَ إِلَى عيلي، فَقَالَ: لَبَّيْكَ مَا لَكَ دَعَوْتَنِي؟ فَقَالَ: لَا، ارْجِعْ فَنَمْ فَرَجَعَ فَنَامَ، ثُمَّ سَمِعَ صَوْتًا آخَرَ يَقُولُ: أشمويل فَوَثَبَ إِلَى عيلي أَيْضًا، فَقَالَ: لَبَّيْكَ مَا لَكَ دَعَوْتَنِي؟ فَقَالَ: لَمْ أَفْعَلِ ارْجِعْ فَنَمْ، فَإِنْ سَمِعْتُ شَيْئًا فَقُلْ لَبَّيْكَ مَكَانَكَ مُرْنِي فَأَفْعَلُ فَرَجَعَ فَنَامَ، فَسَمِعَ صَوْتًا أَيْضًا يَقُولُ: أشمويل فَقَالَ: لَبَّيْكَ أَنَا هَذَا مُرْنِي أَفْعَلُ قَالَ: انْطَلِقْ إِلَى عيلي، فَقُلْ لَهُ: مَنَعَهُ حُبُّ الْوَلَدِ أَنْ يَزْجُرَ ابْنَيْهِ أَنْ يُحْدِثَا فِي قُدْسِي، وَقُرْبَانِي وَأَنْ يَعْصِيَانِي، فَلَأَنْزِعَنَّ مِنْهُ الْكِهَانَةَ وَمِنْ وَلَدِهِ، وَلَأَهْلِكَنَّهْ وَإِيَّاهُمَا فَلَمَّا أَصْبَحَ سَأَلَهُ عيلي، فَأَخْبَرَهُ، فَفَزِعَ لِذَلِكَ فَزِعًا شَدِيدًا، فَسَارَ إِلَيْهِمْ عَدُوٌّ مِمَّنْ حَوْلَهُمْ، فَأَمَرَ ابْنَيْهِ أَنْ يَخْرُجَا بِالنَّاسِ فَيُقَاتِلَا ذَلِكَ الْعَدُوَّ فَخَرَجَا وَأَخْرَجَا مَعَهُمَا التَّابُوتَ الَّذِي كَانَ فِيهِ اللَّوْحَانِ وَعَصَا مُوسَى لِيُنْصَرُوا بِهِ. فَلَمَّا تَهَيَّئُوا لِلْقِتَالِ هُمْ وَعَدُوُّهُمْ، جَعَلَ عيلي يِتَوَقَّعُ الْخَبَرَ مَاذَا صَنَعُوا، فَجَاءَهُ رَجُلٌ يُخْبِرُهُ وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيِّهِ أَنَّ ابْنَيْكَ قَدْ قُتِلَا، وَأَنَّ النَّاسَ قَدِ انْهَزَمُوا. قَالَ: فَمَا فَعَلَ التَّابُوتُ؟ قَالَ: ذَهَبَ بِهِ الْعَدُوُّ. قَالَ: فَشَهِقَ وَوَقَعَ عَلَى قَفَاهُ مِنْ كُرْسِيِّهِ فَمَاتَ وَذَهَبَ الَّذِينَ سَبَوْا التَّابُوتَ حَتَّى وَضَعُوهُ فِي بَيْتِ آلِهَتِهِمْ وَلَهُمْ صَنَمٌ -[٤٦١]- يَعْبُدُونَهُ، فَوَضَعُوهُ تَحْتَ الصَّنَمِ وَالصَّنَمُ مِنْ فَوْقِهِ، فَأَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ وَالصَّنَمُ تَحْتَهُ وَهُوَ فَوْقَ الصَّنَمِ. ثُمَّ أَخَذُوهُ فَوَضَعُوهُ فَوْقَهُ وَسَمَّرُوا قَدَمَيْهِ فِي التَّابُوتِ، فَأَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ قَدْ تَقَطَّعَتْ يَدًا الصَّنَمِ وَرِجْلَاهُ، وَأَصْبَحَ مُلْقًى تَحْتَ التَّابُوتِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ إِلَهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ، فَأَخْرِجُوهُ مِنْ بَيْتِ آلِهَتِكُمْ فَأَخْرَجُوا التَّابُوتَ فَوَضَعُوهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ قَرْيَتِهِمْ، فَأَخَذَ أَهْلُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ الَّتِي وَضَعُوا فِيهَا التَّابُوتَ وَجَعٌ فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَقَالُوا: مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ لَهُمْ جَارِيَةٌ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مِنْ سَبْيِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: لَا تَزَالُونَ تَرَوْنَ مَا تَكْرَهُونَ مَا كَانَ هَذَا التَّابُوتُ فِيكُمْ، فَأَخْرِجُوهُ مِنْ قَرْيَتِكُمْ قَالُوا: كَذَبْتَ قَالَتْ: إِنَّ آيَةَ ذَلِكَ أَنْ تَأْتُوا بِبَقَرَتَيْنِ لَهُمَا أَوْلَادٌ لَمْ يُوضَعْ عَلَيْهِمَا نِيرٌ قَطُّ، ثُمَّ تَضَعُوا وَرَاءَهُمُ الْعِجْلَ، ثُمَّ تَضَعُوا التَّابُوتَ عَلَى الْعِجْلِ، وَتُسَيِّرُوهُمَا، وَتَحْبِسُوا أَوْلَادَهُمَا فَإِنَّهُمَا تَنْطَلِقَانِ بِهِ مُذْعِنَتَيْنِ، حَتَّى إِذَا خَرَجَتَا مِنْ أَرْضِكُمْ وَوَقَعَتَا فِي أَرْضِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَسَرَتَا نِيرَهُمَا، وَأَقْبَلَتَا إِلَى أَوْلَادِهِمَا فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَلَمَّا خَرَجَتَا مِنْ أَرْضِهِمْ وَوَقَعَتَا فِي أَدْنَى أَرْضِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَسَرَتَا نِيرَهُمَا، وَأَقْبَلَتَا إِلَى أَوْلَادِهِمَا، وَوَضَعَتَاهُ فِي خَرِبَةٍ فِيهَا حُضَّارٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَفَزِعَ إِلَيْهِ بَنُو إِسْرَائِيلُ وَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ، فَجَعَلُ لَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا مَاتَ، فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ شمويل: اعْتَرَضُوا، فَمَنْ آنَسَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً فَلْيَدْنُ مِنْهُ فَعَرَضُوا عَلَيْهِ النَّاسَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ يَدْنُو مِنْهُ، إِلَّا رَجُلَانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَذِنَ لَهُمَا بِأَنْ يَحْمِلَاهُ إِلَى بَيْتِ أُمِّهِمَا، وَهِيَ أَرْمَلَةٌ، فَكَانَ فِي بَيْتِ أُمِّهِمَا حَتَّى مَلَكَ طَالُوتُ، -[٤٦٢]- فَصَلُحَ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ شمويل "