يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾ [آل عمران: ١٣] يُقَوِّي بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَدْ أَيَّدْتُ فُلَانًا بِكَذَا: إِذَا قَوَّيْتُهُ وَأَعَنْتُهُ، فَأَنَا أُؤَيِّدُهُ تَأْيِيدًا، و «فَعَلْتُ» مِنْهُ: إِدْتُهُ فَأَنَا أَئِيدُهُ أَيْدًا؛ وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾، يَعْنِي ذَا الْقُوَّةِ. وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا: إِحْدَاهُمَا تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأُخْرَى كَافِرَةٌ، يَرَاهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ أَعْيُنِهِمْ، فَأَيَّدْنَا الْمُسْلِمَةَ وَهُمْ قَلِيلٌ عَدَدُهُمْ، عَلَى الْكَافِرَةِ وَهُمْ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ حَتَّى ظَفِرُوا بِهِمْ مُعْتَبَرٌ وَمُتَفَكَّرٌ، وَاللَّهُ يُقَوِّي بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَقَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: إِنَّ فِي ذَلِكَ: يَعْنِي إِنَّ فِيمَا فَعَلْنَا بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْنَا أَمْرَهُمْ مِنْ تَأْيِيدِنَا الْفِئَةَ الْمُسْلِمَةَ مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ، عَلَى الْفِئَةِ الْكَافِرَةِ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهَا ﴿لَعِبْرَةً﴾ [آل عمران: ١٣] يَعْنِي لَمُتَفَكَّرًا وَمُتَّعَظًا لِمَنْ عَقَلَ وَادَّكَرَ فَأَبْصَرَ الْحَقَّ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣] يَقُولُ: «لَقَدْ كَانَ لَهُمْ فِي هَؤُلَاءِ عِبْرَةٌ وَتَفَكَّرٌ، أَيَّدَهُمُ اللَّهُ وَنَصَرَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، مِثْلَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]-[٢٥٤]- يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: زُيِّنَ لِلنَّاسِ مَحَبَّةُ مَا يَشْتَهُونَ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَسَائِرِ مَا عَدَّ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ تَوْبِيخَ الْيَهُودِ الَّذِينَ آثَرُوا الدُّنْيَا وَحُبَّ الرِّيَاسَةِ فِيهَا عَلَى اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ


الصفحة التالية
Icon