فَيَخُونُوهُ فِي الْغَنَائِمِ؛ قِيلَ لَهُ: أَفَكَانَ لَهُمْ أَنْ يُغِلُّوا غَيْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَخُونُوهُ، حَتَّى خُصُّوا بِالنَّهِيِ عَنْ خِيَانَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، خَرَجُوا مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُبِحْ خِيَانَةَ أَحَدٍ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ قَطُّ. إِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ فِي نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ، قِيلَ: فَمَا وَجْهُ خُصُوصِهِمْ إِذًا بِالنَّهْيِ عَنْ خِيَانَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغُلُولِهِ وَغُلُولِ بَعْضِ الْيَهُودِ، بِمَنْزِلَةٍ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْغَالِّ مِنْ أَمْوَالِهِمَا، وَمَا يَلْزَمُ الْمُؤْتمَنُ مِنْ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَيْهِمَا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ هُوَ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَفَى بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْغُلُولُ وَالْخِيَانَةُ مِنْ صِفَاتِ أَنْبِيَائِهِ، نَاهِيًا بِذَلِكَ عِبَادَهُ عَنِ الْغُلُولِ، وَآمِرًا لَهُمْ بِالِاسْتِنَانِ بِمِنْهَاجِ نَبِيِّهِمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ رِوَايَةِ عَطِيَّةَ ثُمَّ عَقَّبَ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَهْيَهَمُ عَنِ الْغُلُولِ بِالْوَعِيدِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] الْآيَتَيْنِ مَعًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ يَخُنْ مِنْ غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، وَفَيْئِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ يَأْتِ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْمَحْشَرِ
كَمَا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ -[٢٠٢]- أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَامَ خَطِيبًا، فَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: " أَلَا عَسَى رَجُلٌ مِنْ مِنْكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثني، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، أَلَا هَلْ عَسَى رَجُلٌ مِنْكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهَا حَمْحَمَةٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثني، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، أَلَا هَلْ عَسَى رَجُلٌ مِنْكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثني، فَأَقُولَ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، أَلَا هَلْ عَسَى رَجُلٌ مِنْكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثني فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، أَلَا هَلْ عَسَى رَجُلٌ مِنْكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثني، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ " حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِثْلَ هَذَا، زَادَ فِيهِ: «عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، لَا أُلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ» -[٢٠٣]- حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا أَبُو حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا يَوْمًا، فَذَكَرَ الْغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، فَقَالَ: " لَا أُلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثني " ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ