اللَّهُ أَيُّهَا النَّاسُ أَنْ يَجْهَرَ أَحَدٌ لِأَحَدٍ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] بِمَعْنَى: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا أُسِيءَ إِلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ، دَخَلَ فِيهِ إِخْبَارُ مَنْ لَمْ يُقْرَ أَوْ أُسِيءَ قِرَاهُ، أَوْ نِيلَ بِظُلْمٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ عَنْوَةً مِنْ سَائِرِ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ دُعَاؤُهُ عَلَى مَنْ نَالَهُ بِظُلْمٍ؛ أَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ فِي دُعَائِهِ عَلَيْهِ إِعْلَامًا مِنْهُ لِمَنْ سَمِعَ دُعَاءَهُ عَلَيْهِ بِالسُّوءِ لَهُ، وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَـ «مَنْ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ لَا أَسْمَاءَ قَبْلَهُ يُسْتَثْنَى مِنْهَا، فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣]. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا لِمَا يَجْهَرُونَ بِهِ مِنْ سُوءِ الْقَوْلِ لِمَنْ يَجْهَرُونَ لَهُ بِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْوَاتِكُمْ وَكَلَامِكُمْ، عَلِيمًا بِمَا تُخْفُونَ مِنْ سُوءِ قَوْلِكُمْ وَكَلَامِكُمْ لِمَنْ تُخْفُونَ لَهُ بِهِ، فَلَا تَجْهَرُونَ لَهُ بِهِ، مُحْصٍ كُلَّ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ حَتَّى يُجَازِيَكُمْ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ جَزَاءَكُمُ الْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ وَالْمُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ [البقرة: ٢٧١] أَيُّهَا النَّاسُ خَيْرًا يَقُولُ: إِنْ تَقُولُوا جَمِيلًا مِنَ الْقَوْلِ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ، فَتُظْهِرُوا ذَلِكَ


الصفحة التالية
Icon