مِنْهُمْ مُعْلِنَ النِّفَاقِ مُنَافِقًا، بَلِ الْعَفْو عَنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ مَعْقُولٌ، لِأَنَّ الْعَفْوَ الْمَفْهُومَ إِنَّمَا هُوَ صَفْحُ الْمَرْءِ عَمَّا لَهُ قَبْلَ غَيْرِهِ مِنْ حَقٍّ، وَتَسْمِيَةُ الْمُنَافِقِ بِاسْمِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ فَيُؤْمَرُ بِعَفْوِهِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْمٌ لَهُ، وَغَيْرُ مَفْهُومٍ الْأَمْرُ بِالْعَفْوِ عَنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا هُوَ اسْمُهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥١] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٠] مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٠] بِأَنْ يُكَذِّبُوا رُسُلَ اللَّهِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ إِلَى خَلْقِهِ بِوَحْيِهِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلَى رَبِّهِمْ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى إِرَادَتِهِمُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، بِنِحْلَتِهِمْ إِيَّاهُمُ الْكَذِبَ وَالْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ، وَادِّعَائِهِمْ عَلَيْهِمُ الْأَبَاطِيلَ. ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠] يَعْنِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: نُصَدِّقُ بِهَذَا وَنُكَذِّبُ بِهَذَا، كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ عِيسَى وَمُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقِهِمْ بِمُوسَى وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ بِزَعْمِهِمْ، وَكَمَا فَعَلَتِ النَّصَارَى مِنْ تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقِهِمْ بِعِيسَى وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ بِزَعْمِهِمْ. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥٠] يَقُولُ: " وَيُرِيدُ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، الزَّاعِمُونَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ ويَكْفُرُونَ


الصفحة التالية
Icon