وَقَدْ بَيَّنَّا كَيْفَ كَانَ رَفْعُ اللَّهِ إِيَّاهُ فِيمَا مَضَى وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ، وَالصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ بِالْأَدِلَّةِ الشَّاهِدَةِ عَلَى صِحَّتِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُنْتَقِمًا مِنْ أَعْدَائِهِ، كَانْتِقَامِهِ مِنَ الَّذِينَ أَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ، وَكَلَعْنِهِ الَّذِينَ قَصَّ قِصَّتَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٥] حَكِيمًا، يَقُولُ: ذَا حِكْمَةٍ فِي تَدْبِيرِهِ وَتَصْرِيفِهِ خَلْقَهُ فِي قَضَائِهِ، يَقُولُ: فَاحْذَرُوا أَيُّهَا السَّائِلُونَ مُحَمَّدًا أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ مِنْ حُلُولِ عُقُوبَتِي بِكُمْ، كَمَا حَلَّ بَأَوَائِلِكُمُ الَّذِينَ فَعَلُوا فِعْلَكُمْ فِي تَكْذِيبِهِمْ رُسُلِي، وَافْتِرَائِهِمْ عَلَى أَوْلِيَائِي. وَقَدْ:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي سَارَةَ الرُّؤَاسِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨] قَالَ: " مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ كَذَلِكَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيَؤُمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]-[٦٦٤]- اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيَؤُمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] يَعْنِي بِعِيسَى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] يَعْنِي: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، يُوَجَّهُ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ جَمِيعَهُمْ يُصَدِّقُونَ بِهِ إِذَا نَزَلَ لَقَتَلَ الدَّجَّالَ، فَتَصِيرُ الْمِلَلِ كُلُّهَا وَاحِدَةً، وَهِيَ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِيَّةُ، دِينُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.


الصفحة التالية
Icon