وَالْمُنْخَنِقَةُ} [المائدة: ٣] وَسَائِرِ مَا ذُكِرَ مَعَ ذَلِكَ وَتِعْدَادِهِ مَا عَدَّدَ؟ قِيلَ: وَجْهُ تِكْرَارِهِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ إِذَا مَاتَ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي هُوَ بِهَا مَوْصُوفٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أَنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ لَا يَعُدُّونَ الْمَيْتَةَ مِنَ الْحَيَوَانِ، إِلَّا مَا مَاتَ مِنْ عِلَّةٍ عَارِضَةٍ بِهِ، غَيْرِ الِانْخِنَاقِ وَالتَّرَدِّي وَالِانْتِطَاحِ، وَفَرْسِ السَّبُعِ، فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ حُكْمُ مَا مَاتَ مِنَ الْعِلَلِ الْعَارِضَةِ، وَأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ لَيْسَتْ مَوْتَهَا مِنْ عِلَّةِ مَرَضٍ أَوْ أَذًى كَانَ بِهَا قَبْلَ هَلَاكِهَا، وَلَكِنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ يَذْبَحْهَا مِنْ أَجْلِ ذَبِيحَتِهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَحَلَّهَا بِهِ كَالَّذِي:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] يَقُولُ: «هَذَا حَرَامٌ، لِأَنَّ نَاسًا مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَأْكُلُونَهُ وَلَا يَعُدُّونَهُ مَيِّتًا، إِنَّمَا يَعُدُّونَ الْمَيِّتَ الَّذِي يَمُوتُ مِنَ الْوَجَعِ، فَحَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، إِلَّا مَا ذَكَرُوا اسْمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَدْرَكُوا ذَكَاتَهُ وَفِيهِ الرُّوحُ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ أَيْضًا الَّذِي ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ. -[٧٠]- فَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَا ذُبِحَ﴾ [المائدة: ٣] رُفِعَ عَطْفًا عَلَى مَا الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] وَالنُّصُبُ: الْأَوْثَانُ مِنَ الْحِجَارَةِ جَمَاعَةُ أَنْصَابٍ كَانَتْ تُجْمَعُ فِي الْمَوْضِعِ مِنَ الْأَرْضِ، فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُقَرِّبُونَ لَهَا، وَلَيْسَتْ بِأَصْنَامٍ. وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ فِي صِفَتِهِ مَا: