الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨] أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ وَلِيًّا لَكُمْ كَانَ أَوْ عَدُوًّا، فَاحْمِلُوهُمْ عَلَى مَا أُمِرْتُمْ أَنْ تَحْمِلُوهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِي، وَلَا تَجُورُوا بِأَحَدٍ مِنْهُمْ عَنْهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: هُوَ الْعَدْلُ عَلَيْهِمْ أَقْرَبُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ إِلَى التَّقْوَى، يَعْنِي: إِلَى أَنْ تَكُونُوا عِنْدَ اللَّهِ بِاسْتِعْمَالِكُمْ إِيَّاهُ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى، وَهُمْ أَهْلُ الْخَوْفِ وَالْحَذَرِ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُخَالِفُوهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، أَوْ يَأْتُوا شَيْئًا مِنْ مَعَاصِيهِ. وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْعَدْلَ بِمَا وَصَفَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى مِنَ الْجَوْرِ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ عَادِلًا كَانَ لِلَّهِ بِعَدْلِهِ مُطِيعًا، وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعًا كَانَ لَا شَكَّ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى، وَمَنْ كَانَ جَائِرًا كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا، وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا كَانَ بَعِيدًا مِنْ تَقْوَاهُ. وَإِنَّمَا كَنَّى بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: ٨] عَنِ الْفِعْلِ، وَالْعَرَبُ تُكْنِي عَنِ الْأَفْعَالِ إِذَا كَنَتْ عَنْهَا بِهُوَ وَبِذَلِكَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٢] وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ «هُوَ» لَكَانَ أَقْرَبُ نَصْبًا،