وَجَلَّ وَعِيدٌ لِهَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، الْمُتَّكِلِينَ عَلَى مَنَازِلِ سَلَفِهِمُ الْخُيَّارَ عِنْدَ اللَّهِ، الَّذِينَ فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَاجْتِنَابِهِمْ مَعْصِيَتَهُ، لِمُسَارَعَتِهِمْ إِلَى رِضَاهُ، وَاصْطِبَارِهِمْ عَلَى مَا نَابَهُمْ فِيهِ. يَقُولُ لَهُمْ: لَا تَغْتَرُّوا بِمَكَانِ أُولَئِكَ مِنِّي، وَمَنَازِلِهِمْ عِنْدِي، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا نَالُوا مِنِّي بِالطَّاعَةِ لِي، وَإِيثَارِ رِضَايَ عَلَى مَحَابِّهِمْ، لَا بِالْإِمَانِيِّ، فَجُدُّوا فِي طَاعَتِي، وَانْتَهُوا إِلَى أَمْرِي، وَانْزَجِرُوا عَمَّا نَهَيْتُهُمْ عَنْهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا أَغْفِرُ ذُنُوبَ مَنْ أَشَاءُ أَنْ أَغْفِرَ ذُنُوبَهُ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِي، وَأُعَذِّبُ مَنْ أَشَاءُ تَعْذِيبَهِ مِنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِي، لَا لِمَنْ قَرُبَتْ زُلْفَةُ آبَائِهِ مِنِّي، وَهُوَ لِي عَدُوٌّ وَلِأَمْرِي وَنَهْيِي مُخَالِفٌ
وَكَانَ السُّدِّيُّ يَقُولُ فِي ذَلِكَ بِمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩] يَقُولُ: «يَهْدِي مِنْكُمْ مَنْ يَشَاءُ فِي الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ لَهُ، وَيُمِيتُ مَنْ يَشَاءُ مِنْكُمْ عَلَى كُفْرِهِ فَيُعَذِّبُهُ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ يَقُولُ: لِلَّهِ تَدْبِيرُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَتَصْرِيفُهُ، وَبِيَدِهِ أَمْرُهُ، وَلَهُ مُلْكُهُ، يَصْرِفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ وَيُدَبِّرُهُ كَيْفَ أَحَبَّهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا لِأَحَدٍ مَعَهُ فِيهِ مُلْكٌ، فَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْقَائِلُونَ: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، أَنَّهُ إِنْ عَذَّبَكُمْ بِذُنُوبِكُمْ، لَمْ يَكُنْ لَكُمْ مِنْهُ مَانِعٌ وَلَا لَكُمْ عَنْهُ دَافِعٌ؛ لِأَنَّهُ لَا نَسَبَ بَيْنَ أَحَدٍ -[٢٧٣]- وَبَيْنَهُ فَيُحَابِيهِ لِسَبَبِ ذَلِكَ، وَلَا لِأَحَدٍ فِي شَيْءٍ وَمَرْجِعِهِ. فَاتَّقُوا أَيُّهَا الْمُفْتَرُونَ عِقَابَهُ إِيَّاكُمْ عَلَى ذُنُوبِكُمْ بَعْدَ مَرْجِعِكُمْ إِلَيْهِ، وَلَا تَغْتَرُّوا بِالْإِمَانِيِّ وَفَضَائِلِ الْآبَاءِ وَالْإِسْلَافِ


الصفحة التالية
Icon