الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ قِيلِ قَوْمِ مُوسَى حِينَ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ مَا قَالُوا مِنْ قَوْلِهِمْ: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَغَضِبَ مِنْ قِيلِهِمْ لَهُمْ دَاعِيًا: يَا رَبِّ ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: ٢٥] يَعْنِي بِذَلِكَ: لَا أَقْدِرُ عَلَى أَحَدٍ أَنْ أَحْمِلَهُ عَلَى مَا أُحِبُّ وَأُرِيدُ مِنْ طَاعَتِكَ وَاتِّبَاعِ أَمْرِكَ وَنَهْيِكَ، إِلَّا عَلَى نَفْسِي وَعَلَى أَخِي. منْ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَا أَمْلِكُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْئًا إِلَّا كَذَا وَكَذَا، بِمَعْنَى: لَا أَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ غَيْرِهِ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] افْصِلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِقَضَاءٍ مِنْكَ تَقْضِيهِ فِينَا وَفِيهِمْ فَتُبَعِّدُهُمْ مِنَّا، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: فَرَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ، بِمَعْنَى: فَصَلْتُ بَيْنَهُمَا؛ مِنْ قَوْلِ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]

يَا رَبِّ فَافْرُقْ بَيْنَهُ وَبَيْنِي أَشَدَّ مَا فَرَقْتَ بَيْنَ اثْنَيْنِ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثنا عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ -[٣٠٦]- أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] يَقُولُ: «اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ»


الصفحة التالية
Icon