الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُحَرِّفُ هَؤُلَاءِ السَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ، السَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمْ يَأْتُوكَ بَعْدُ مِنَ الْيَهُودِ الْكَلِمَ. وَكَانَ تَحْرِيفُهُمْ ذَلِكَ: تَغْيِيرُهُمْ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي التَّوْرَاةِ فِي الْمُحْصَنَاتِ وَالْمُحْصَنِينَ مِنَ الزُّنَاةَ بِالرَّجْمِ إِلَى الْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ يَعْنِي: " هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ، وَالْمَعْنَى: حُكْمَ الْكَلِمِ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْخَبَرِ مِنْ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ ذِكْرِ الْحُكْمِ لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ لِمَعْنَاهُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ وَالْمَعْنَى: مِنْ بَعْدِ وَضْعِ اللَّهِ ذَلِكَ مَوَاضِعَهُ، فَاكْتَفَى بِالْخَبَرِ مِنْ ذِكْرِ مَوَاضِعِهِ عَنْ ذِكْرِ وَضْعِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَعْنَى: وَلَكِنَّ الْبِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، فَتَكُونَ بَعْدِ وُضِعَتْ مَوْضِعَ عَنْ، كَمَا يُقَالَ: جِئْتُكَ عَنْ فَرَاغِي مِنَ الشُّغْلِ، يُرِيدُ: بَعْدَ فَرَاغِي مِنَ الشُّغْلِ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا يَقُولُ: "