إِيمَانَهُمْ بِاللَّهِ وَبِمَا أَنْزَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الْكِتَابِ وَبِمَا أَنْزَلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ أَيُّهَا الْيَهُودُ، أَشَدُّ أَخْذًا عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ الْقَوِيمِ، وَأَجْوَرُ عَنْ سَبِيلِ الرُّشْدِ وَالْقَصْدِ مِنْهُمْ. وَهَذَا مِنْ لَحْنِ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا قَصَدَ بِهَذَا الْخَبَرِ إِخْبَارَ الْيَهُودِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي الْآيَاتِ قَبْلَ هَذِهِ بِقَبِيحِ فِعَالِهِمْ وَذَمِيمِ أَخْلَاقِهِمْ وَاسْتِيجَابِهِمْ سَخَطَهُ بِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ، حَتَّى مَسَخَ بَعْضَهُمْ قِرَدَةً وَبَعْضَهُمْ خَنَازِيرَ، خِطَابًا مِنْهُ لَهُمْ بِذَلِكَ تَعْرِيضًا بِالْجَمِيلِ مِنَ الْخِطَابِ، وَلَحْنٌ لَهُمْ بِمَا عَرَفُوا مَعْنَاهُ مِنَ الْكَلَامِ بِأَحْسَنِ اللَّحْنِ، وَعَلَّمَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَدَبِ أَحْسَنَهُ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ، أَهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَبِكُتُبِهِ الَّذِينَ تَسْتَهْزِءُونَ مِنْهُمْ شَرٌّ أَمْ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ؟ وَهُوَ يَعْنِي الْمَقُولَ ذَلِكَ لَهُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا جَاءَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الْيَهُودِ، قَالُوا لَكُمْ: آمَنَّا: أَيْ صَدَّقْنَا بِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى دِينِهِ، وَهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى كُفْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ، قَدْ دَخَلُوا عَلَيْكُمْ بِكُفْرِهِمُ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ وَيُضْمِرُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، وَهُمْ يُبْدُونَ كَذِبًا التَّصْدِيقَ لَكُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ. ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] يَقُولُ: " وَقَدْ خَرَجُوا بِالْكُفْرِ مِنْ عِنْدِكُمْ كَمَا دَخَلُوا بِهِ عَلَيْكُمْ لَمْ يَرْجِعُوا بِمَجِيئِهِمْ إِلَيْكُمْ عَنْ كُفْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ، يَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ جَهْلًا مِنْهُمْ بِاللَّهِ. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٦١] يَقُولُ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عِنْدَ قَوْلِهِمْ لَكِنْ بِأَلْسِنَتِهِمْ: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ وَصَدَّقْنَا بِمَا جَاءَ بِهِ، يَكْتُمُونَ


الصفحة التالية
Icon