الْوَاحِدَ أَدَّى عَنْ جِنْسِهِ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: مَا أَكْثَرَ الدِّرْهَمَ فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾ [الفرقان: ٥٥] مَعْنَاهُ: وَكَانَ الَّذِينَ كَفَرُوا. قَالُوا: فَأَمَّا إِذَا ثُنِّيَ الِاسْمُ، فَلَا يُؤَدِّي عَنِ الْجِنْسِ، وَلَا يُؤَدِّي إِلَّا عَنِ اثْنَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا دُونَ الْجَمِيعِ وَدُونَ غَيْرِهِمَا. قَالُوا: وَخَطَأٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ: مَا أَكْثَرَ الدِّرْهَمَيْنِ فِي أَيْدِي النَّاسِ. بِمَعْنَى: مَا أَكْثَرَ الدَّرَاهِمَ فِي أَيْدِيهِمْ. قَالُوا: وَذَلِكَ أَنَّ الدِّرْهَمَ إِذَا ثُنِّيَ لَا يُؤَدِّي فِي كَلَامِهَا إِلَّا عَنِ اثْنَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا. قَالُوا: وَغَيْرُ مُحَالٍ: مَا أَكْثَرَ الدِّرْهَمَ فِي أَيْدِي النَّاسِ. وَمَا أَكْثَرَ الدَّرَاهِمَ فِي أَيْدِيهِمْ. لِأَنَّ الْوَاحِدَ يُؤَدِّي عَنِ الْجَمِيعِ. قَالُوا: فَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] مَعَ إِعْلَامِهِ عِبَادَهُ أَنَّ نِعَمَهُ لَا تُحْصَى، وَمَعَ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ اثْنَيْنِ يُؤَدِّيَانِ عَنِ الْجَمِيعِ، مَا يُنْبِئُ عَنْ خَطَأِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الْيَدِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: النِّعْمَةُ، وَصِحَّةُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ يَدَ اللَّهِ هِيَ لَهُ صِفَةٌ قَالُوا: وَبِذَلِكَ تَظَاهَرْتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ بِهِ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ التَّأْوِيلِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَطْلَعْنَاكَ عَلَيْهِ مِنْ خَفِيِّ أُمُورِ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا عُلَمَاؤُهُمْ وَأَحْبَارُهُمْ، احْتِجَاجًا عَلَيْهِمْ لِصِحَّةِ نُبُوَّتِكَ، وَقَطْعًا لِعُذْرِ قَائِلٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ، لَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا، يَعْنِي بِالطُّغيَانِ: الْغُلُوَّ فِي إِنْكَارِ مَا قَدْ عَلِمُوا صِحَّتَهُ مِنْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّمَادِي فِي ذَلِكَ ﴿وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤] يَقُولُ: " وَيَزِيدُهُمْ مَعَ غُلُوِّهِمْ فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ جُحُودَهُمْ عَظَمَةِ اللَّهِ وَوَصْفَهُمْ إِيَّاهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ،


الصفحة التالية
Icon