وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ﴾ [المائدة: ٨٣]، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ بِلَفْظِ اسْمٍ كَانَ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ قَائِلِينَ: رَبَّنَا آمَنَّا. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾ [المائدة: ٨٣] أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا صَدَّقْنَا لَمَّا سَمِعْنَا مَا أَنْزَلْتَهُ إِلَى نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كِتَابِكَ، وَأَقْرَرْنَا بِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِكَ، وَأَنَّهُ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي تَأْوِيلِهِ مَا
حَدَّثَنَا بِهِ، هَنَّادٌ قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]، قَالَ: «أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] «مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] «يَعْنُونَ بِالشَّاهِدِينَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ»
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]، قَالَ: «مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتِهِ، أَنَّهُمْ شَهِدُوا أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَشَهِدُوا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ» حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: ثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: ثني -[٦٠٤]- إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِثْلَ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَشَهِدُوا لِلرُّسُلِ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا " فَكَأَنَّ مُتَأَوِّلَ هَذَا التَّأْوِيلِ قَصَدَ بِتَأْوِيلِهِ هَذَا إِلَى مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّ الشَّاهِدِينَ هُمُ الشُّهَدَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وَهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ ذَلِكَ كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأَنْبِيَائِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا أُمَمَهُمْ رِسَالَاتِكَ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ مَا أَنْزَلْتَهُ إِلَى رَسُولِكَ مِنَ الْكُتُبِ حَقٌّ، كَانَ صَوَابًا لِأَنَّ ذَلِكَ خَاتِمَةُ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]، وَذَلِكَ صِفَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُمْ بِإِيمَانِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَتَكُونُ مَسْأَلَتُهُمْ أَيْضًا اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهُمُ مِمَّنْ صَحَّتْ عِنْدَهُ شَهَادَتُهُمْ بِذَلِكَ، وَيُلْحِقُهُمْ فِي الثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ مَنَازِلَهُمْ. وَمَعْنَى الْكِتَابِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْجَعْلُ، يَقُولُ: فَاجْعَلْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ، وَأَثْبِتْنَا مَعَهُمْ فِي عِدَادِهِمْ