وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ، هُمُ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ [النساء: ٨٧]. وَقَوْلُهُ: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢]، يَقُولُ: فَهُمْ لِإِهْلَاكِهِمْ أَنْفُسِهِمْ وَغَبْنِهِمْ إِيَّاهُ حَظَّهَا لَا يُؤْمِنُونَ، أَيْ لَا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ، وَلَا يُصَدِّقُونَ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، وَلَا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا يُؤْمِنُ هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِاللَّهِ الْأَوْثَانَ، فَيُخْلِصُوا لَهُ التَّوْحِيدَ وَيُفْرِدُوا لَهُ الطَّاعَةَ وَيُقِرُّوا بِالْأُلُوهِيَّةِ جَهْلًا ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ١٣] يَقُولُ: وَلَهُ مُلْكُ كُلِّ شَيْءٍ، لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا وَهُوَ سَاكِنٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، فَمَعْلُومٌ بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ مَا وَصَفْنَا. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ [البقرة: ١٣٧] مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِيهِ مِنِ ادِّعَائِهِمْ لَهُ شَرِيكًا، وَمَا يَقُولُ غَيْرُهُمْ مِنْ خِلَافِ ذَلِكَ. ﴿الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] بِمَا يُضْمِرُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَمَا يُظْهِرُونَهُ بِجَوَارِحِهِمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ يُحْصِيهِ عَلَيْهِمْ، لِيُوفِيَ كُلَّ إِنْسَانٍ ثَوَابَ مَا اكْتَسَبَ وَجَزَاءَ مَا عَمِلَ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿سَكَنَ﴾ [الأنعام: ١٣] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ١٣] يَقُولُ: «مَا اسْتَقَرَّ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ»