يَرَوْنَ مِنْ يُخْتَرَمُ مِنْهُمْ، وَمَنْ يَمْلِكُ فَيَمُوتُ، وَمَنْ تَنُوبُهُ فِيهَا النَّوَائِبُ وَتُصِيبُهُ الْمَصَائِبُ وَتَفْجَعُهُ الْفَجَائِعُ؟ فَفِي ذَلِكَ لِمَنْ عَقَلَ مُدَّكَرٌ وَمُزْدَجَرٌ عَنِ الرُّكُونِ إِلَيْهَا وَاسْتِعْبَادِ النَّفْسِ لَهَا، وَدَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ لَهَا مُدَبِّرًا وَمُصَرِّفًا يَلْزَمُ الْخَلْقَ إِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ لَهُ بِغَيْرِ إِشْرَاكِ شَيْءٍ سِوَاهُ مَعَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ نَعْلَمُ يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ لَهُ: إِنَّهُ كَذَّابٌ، فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ. وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَةٌ: (لَا يُكْذِبُونَكَ) بِالتَّخْفِيفِ، بِمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ فِيمَا أَتَيْتَهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِ اللَّهِ، وَلَا يَدْفَعُونَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَحِيحًا بَلْ يَعْلَمُونَ صِحَّتَهُ، وَلَكِنَّهُمْ يَجْحَدُونَ حَقِيقَتَهُ قَوْلًا فَلَا يُؤْمِنُونَ بِهِ. وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ يَحْكِي عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَكْذَبْتَ الرَّجُلَ: إِذَا أَخْبَرْتَ أَنَّهُ جَاءَ بِالْكَذِبِ وَرَوَاهُ. قَالَ: وَيَقُولُونَ: كَذَبْتَهُ: إِذَا أَخْبَرْتَ أَنَّهُ كَاذِبٌ. وَقَرَأَتْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِيِّينَ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] بِمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ عِلْمًا، بَلْ يَعْلَمُونَ أَنَّكَ صَادِقٌ،