عَنْ هَارُونَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ: (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عُدُوًّا) مَضْمُومَةُ الْعَيْنِ مُثَقَّلَةٌ " وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدُوًّا) يُوَجِّهُ تَأْوِيلَهُ إِلَى أَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، وَكَمَا قَالَ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وَيَجْعَلُ نَصْبَ (الْعَدُوَّ) حِينَئِذٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ ذِكْرِ الْمُشْرِكِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَيَسُبُّوا﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَلَا تَسُبُّوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَدْعُو الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَيَسُبُّ الْمُشْرِكُونَ اللَّهَ أَعْدَاءُ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ هَكَذَا كَانَ الْعَدُوُّ مِنْ صِفَةِ الْمُشْرِكِينَ وَنَعْتِهِمْ، كَأَنَّهُ قِيلَ: فَيَسُبُّ الْمُشْرِكُونَ أَعْدَاءُ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَكِنَّ الْعَدُوَّ لَمَّا خَرَجَ مَخْرَجَ النَّكِرَةَ وَهُوَ نَعْتٌ لِلْمَعْرِفَةِ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ. وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى قِرَاءَةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَغَيْرُ جَائِزٍ خِلَافُهَا فِيمَا جَاءَتْ مُجْمِعَةً عَلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا زَيَّنَّا لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ عِبَادَةَ -[٤٨٤]- الْأَوْثَانِ وَطَاعَةَ الشَّيْطَانِ بِخُذْلَانِنَا إِيَّاهُمْ عَنْ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ، كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ جَمَاعَةٍ اجْتَمَعَتْ عَلَى عَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَمَعْصِيَتِهِ عَمَلَهُمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مُجْتَمِعُونَ، ثُمَّ مَرْجِعُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَصِيرُهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ، فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، يَقُولُ: فَيُوقِفُهُمْ وَيُخْبِرُهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهَا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يُجَازِيهِمْ بِهَا إِنْ كَانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَشَرٌّ، أَوْ يَعْفُو بِفَضْلِهِ مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكًا أَوْ كُفْرًا


الصفحة التالية
Icon