الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لُكُمْ مِنْ إِلَهِ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] أَقْسَمَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ أَرْسَلَ نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ مُنْذِرَهُمْ بَأْسَهُ، وَمُخَوِّفَهُمْ سَخَطَهُ عَلَى عِبَادَتِهِمْ غَيْرَهُ، فَقَالَ لِمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [الأعراف: ٥٩] الَّذِي لَهُ الْعِبَادَةُ، وَذِلُّوا لَهُ بِالطَّاعَةَ وَاخْضَعُوا لَهُ بِالِاسْتِكَانَةِ، وَدَعُوا عِبَادَةَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُمْ مَعْبُودٌ يَسْتَوْجِبُ عَلَيْكُمُ الْعِبَادَةَ غَيْرَهُ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥]، يَعْنِي: عَذَابَ يَوْمٍ يَعْظُمُ فِيهِ بَلَاؤُكُمْ بِمَجِيئِهِ إِيَّاكُمْ بِسَخَطِ رَبِّكُمْ. وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿غَيْرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهِ غَيْرِهِ) يَخْفِضُ (غَيْرَ) عَلَى النَّعْتِ لِإِلَهٍ. وَقَرَأَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] بِرَفْعِ (غَيْرِ)، رَدَّ الْهَاءَ عَلَى مَوْضِعِ (مِنْ) لِأَنَّ مَوْضِعَهَا رَفْعٌ لَوْ نُزِعَتْ مِنَ الْكَلَامِ لَكَانَ الْكَلَامُ رَفْعًا، وَقِيلَ: مَا لَكُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ، فَالْعَرَبُ لَمَّا


الصفحة التالية
Icon