وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: (جَعَلَهُ دَكَّاءَ) بِالْمَدِّ، وَتَرْكِ الْجَرِّ لِدَلَالَةِ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صِحَّتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «فَسَاخَ الْجَبَلُ» وَلَمْ يَقُلْ: فَتَفَتَّتَ، وَلَا تَحَوَّلَ تُرَابًا. وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إِذَا سَاخَ فَذَهَبَ ظَهَرَ وَجْهُ الْأَرْضِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ النَّاقَةِ الَّتِي قَدْ ذَهَبَ سَنَامُهَا، وَصَارَتْ دَكَّاءَ بِلَا سَنَامٍ. وَأَمَّا إِذَا دُكَّ بَعْضُهُ فَإِنَّمَا يَكْسِرُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَيَتَفَتَّتُ وَلَا يَسُوخُ. وَأَمَّا الدَّكَّاءُ فَإِنَّهَا خَلَفٌ مِنَ الْأَرْضِ، فَلِذَلِكَ أُنِّثَتْ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ. فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذَنْ: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ سَاخَ، فَجَعَلَ مَكَانَهُ أَرْضًا دَكَّاءَ. وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الصَّعْقِ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا ثَابَ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَهْمُهُ مِنْ غَشْيَتِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْإِفَاقَةُ مِنَ الصَّعْقَةِ الَّتِي خَرَّ لَهَا مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ [البقرة: ٣٢] تَنْزِيهًا لَكَ يَا رَبِّ وَتَبْرِئَةً أَنْ يَرَاكَ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ يَعِيشَ. ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] مِنْ مَسْأَلَتِي إِيَّاكَ مَا -[٤٣٣]- سَأَلْتُكَ مِنَ الرُّؤْيَةِ. ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] بِكَ مِنْ قَوْمِي أَنْ لَا يَرَاكَ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ إِلَّا هَلَكَ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ