عِقَابِهِ، مُسْتَجِيرًا بِهِ مِنْ عَذَابِهِ الْوَاقِعِ بِهِ لَمَّا نَادَاهُ وَقَدْ عَلَتْهُ أَمْوَاجُ الْبَحْرِ وَغَشِيَتْهُ كَرَبُ الْمَوْتِ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] لَهُ، الْمُنْقَادِينَ بِالذِّلَّةِ لَهُ، الْمُعْتَرِفِينَ بِالْعُبُودِيَّةِ: الْآنَ تُقِرُّ لِلَّهِ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَتَسْتَسْلِمُ لَهُ بِالذِّلَّةِ، وَتَخْلُصُ لَهُ الْأُلُوهَةَ، وَقَدْ عَصَيْتَهُ قَبْلَ نُزُولِ نِقْمَتِهِ بِكَ فَأَسْخَطْتَهُ عَلَى نَفْسِكَ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ الصَّادِّينَ عَنْ سَبِيلِهِ؟ فَهَلَّا وَأَنْتَ فِي مَهْلٍ، وَبَابُ التَّوْبَةِ لَكَ مُنْفَتِحٌ أَقْرَرْتَ بِمَا أَنْتَ بِهِ الْآنَ مُقِرٌّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٢] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِفِرْعَونَ: فَالْيَوْمَ نَجْعَلُكَ عَلَى نَجْوَةِ الْأَرْضِ بِبَدَنِكَ، يَنْظُرُ إِلَيْكَ هَالِكًا مَنْ كَذَّبَ بِهَلَاكِكَ. ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢] يَقُولُ: لِمَنْ بَعْدَكَ مِنَ النَّاسِ عِبْرَةً يَعْتَبِرُونَ بِكَ، فَيَنْزَجِرُونَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَالْكُفْرِ بِهِ وَالسَّعْي فِي أَرْضِهِ بِالْفَسَادِ. وَالنَّجْوَةُ: الْمَوْضِعُ الْمُرْتَفِعُ عَلَى مَا حَوْلَهُ مِنَ الْأَرْضِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ:
[البحر البسيط]
فَمَنْ بِعَقْوَتِهِ كَمَنْ بِنَجْوَتِهِ | وَالْمُسْتَكِنُّ كَمَنْ يَمْشِي بِقُرْوَاحِ |