حَتَّى تَهَجَّرَ فِي الرَّوَاحِ وَهَاجَهَا | طَلَبَ الْمُعَقِّبِ حَقَّهُ الْمَظْلُومُ |
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] فَإِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: مَعْنَاهُ: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يَحْفَظُونَهُ، وَلَيْسَ مِنْ أَمْرِهِ، إِنَّمَا هُوَ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، قَالَ: وَيَكُونُ يَحْفَظُونَهُ ذَلِكَ الْحِفْظَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَبِإِذْنِهِ، كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ: أَجَبْتُكَ مِنْ دُعَائِكَ إِيَّايَ، وَبِدُعَائِكَ إِيَّايَ. وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ: مَعْنَى ذَلِكَ: يَحْفَظُونَهُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ، كَمَا قَالُوا: أَطْعَمَنِي مِنْ جُوعٍ وَعَنْ جُوعٍ، وَكَسَانِي عَنْ عُرْيٍ وَمِنْ عُرْيٍ. وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ أَوْلَى الْقَوْلِ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] مِنْ صِفَةِ حَرَسِ هَذَا الْمُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ، وَهِيَ تَحْرُسُهُ ظَنًّا مِنْهَا أَنَّهَا تَدْفَعُ عَنْهُ أَمْرَ اللَّهِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ حَرَسَهُ ذَلِكَ لَا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا إِذَا جَاءَ أَمْرُهُ، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ، وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا، وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ. وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ، وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ، وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ، وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الرعد: ١٢] يَعْنِي أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الَّذِي يُرِي عِبَادَهُ الْبَرْقَ، وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ﴾ [البقرة: ٢٩] كِنَايَةُ اسْمِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْبَرْقِ فِيمَا مَضَى، وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا -[٤٧٥]- الْمَوْضِعِ. وَقَوْلُهُ ﴿خَوْفًا﴾ [الأعراف: ٥٦] يَقُولُ: خَوْفًا لِلْمُسَافِرِ مِنْ أَذَاهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْبَرْقَ الْمَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، كَمَا