قَلِيلًا تَتَلَّى حَاجَةً ثُمَّ عُولِيَتْ | عَلَى كُلِّ مَفْرُوشِ الْحَصِيرَيْنِ بَادِنِ |
يَعْنِي بِالْحَصِيرَيْنِ: الْجَنْبَيْنِ. وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَيْ يُقَالُ: مَعْنَى ذَلِكَ:
﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] فِرَاشًا وَمِهَادًا لَا يُزَايِلُهُ، مِنَ الْحَصِيرِ الَّذِي بِمَعْنَى الْبِسَاطِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ جَامِعًا مَعْنَى الْحَبْسِ وَالِامْتِهَادِ، مَعَ أَنَّ الْحَصِيرَ بِمَعْنَى الْبِسَاطِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَشْهَرُ مِنْهُ بِمَعْنَى الْحَبْسِ، وَأَنَّهَا إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَصِفَ شَيْئًا بِمَعْنَى حُبِسَ شَيْءٌ، فَإِنَّمَا تَقُولُ: هُوَ لَهُ حَاصِرٌ أَوْ مُحْصِرٌ، فَأَمَّا الْحَصِيرُ فَغَيْرُ مَوْجُودٍ فِي كَلَامِهِمْ، إِلَّا إِذَا وَصَفَتْهُ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، فَيَكُونُ فِي لَفْظِ فَعِيلٍ، وَمَعْنَاهُ مَفْعُولٌ بِهِ، أَلَا تَرَى بَيْتَ لَبِيدٍ: لَدَى بَابِ الْحَصِيرِ؟ فَقَالَ: لَدَى بَابِ الْحَصِيرِ، لِأَنَّهُ أَرَادَ: لَدَى بَابِ الْمَحْصُورِ، فَصَرَفَ مَفْعُولًا إِلَى فَعِيلٍ. فَأَمَّا فَعِيلٌ فِي الْحَصْرِ بِمَعْنَى وَصْفِهِ بِأَنَّهُ الْحَاصِرُ. فَذَلِكَ مَا لَا نَجِدُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَلِذَلِكَ قُلْتُ: قَوْلُ الْحَسَنِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا أَعْلَمُ لِمَا قَالَ وَجْهًا يَصِحُّ إِلَّا بَعِيدًا وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: جَاءَ حَصِيرٌ بِمَعْنَى حَاصِرٍ، كَمَا قِيلَ: عَلِيمٌ بِمَعْنَى عَالِمٍ، وَشَهِيدٌ بِمَعْنَى شَاهِدٍ، وَلَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْحَاصِرِ كَمَا سَمِعْنَا فِي عَالِمٍ وَشَاهِدٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: ١٠] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْشِدُ وَيُسَدِّدُ مَنِ اهْتَدَى بِهِ
﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] يَقُولُ: لِلسَّبِيلِ الَّتِي هِيَ أَقْوَمُ مِنْ غَيْرِهَا -[٥١١]- مِنَ السُّبُلِ، وَذَلِكَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ. يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَهَذَا الْقُرْآنُ يَهْدِي عِبَادَ اللَّهِ الْمُهْتَدِينَ بِهِ إِلَى قَصْدِ السَّبِيلِ الَّتِي ضَلَّ عَنْهَا سَائِرُ أَهْلِ الْمِلَلِ الْمُكَذِّبِينَ بِهِ، كَمَا: