يَكُونَ أَرَادَ تَوْجِيهَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِمَنْعِهِمْ مَا سَأَلُوهُ لِيُنِيبُوا مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَيَتُوبُوا بِمَنْعِهِ إِيَّاهُمْ مَا سَأَلُوهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ وَجْهًا يَحْتَمِلُهُ تَأْوِيلُ الْآيَةِ، وَإِنْ كَانَ لِقَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مُخَالِفًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْمُمْتَنِعِ مِنَ الْإِنْفَاقِ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي أَوْجَبَهَا فِي أَمْوَالِ ذَوِي الْأَمْوَالِ، فَجَعَلَهُ كَالْمَشْدُودَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْأَخْذِ بِهَا وَالْإِعْطَاءِ. وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَا تُمْسِكْ يَا مُحَمَّدُ يَدَكَ بُخْلًا عَنِ النَّفَقَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ، فَلَا تُنْفِقْ فِيهَا شَيْئًا إِمْسَاكَ الْمَغْلُولَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ بَسْطَهَا ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] يَقُولُ: وَلَا تَبْسُطْهَا بِالْعَطِيَّةِ كُلَّ الْبَسْطِ، فَتَبْقَى لَا شَيْءَ عِنْدَكَ، وَلَا تَجِدُ إِذَا سُئِلْتَ شَيْئًا تُعْطِيهِ سَائِلَكَ ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] يَقُولُ: فَتَقْعُدَ يَلُومُكَ سَائِلُوكَ إِذَا لَمْ تُعْطِهِمْ حِينَ سَأَلُوكَ، وَتَلُومُكَ نَفْسُكَ عَلَى الْإِسْرَاعِ فِي مَالِكَ وَذَهَابِهِ ﴿مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] يَقُولُ: مَعِيبًا، قَدِ انْقُطِعَ بِكَ، لَا شَيْءَ عِنْدَكَ تُنْفِقُهُ. وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ للدَّابَّةِ الَّتِي قَدْ سِيرَ عَلَيْهَا حَتَّى انْقَطَعَ سَيْرُهَا وَكَلَّتْ وَرَزَحَتْ مِنَ السَّيْرِ، بِأَنَّهُ حَسِيرٌ. يُقَالُ مِنْهُ: حَسَرْتُ الدَّابَّةَ فَأَنَا