الْمُشْرِكِينَ، بِغَيْرِ نَظَرٍ مِنْهُ لَهُمْ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا يَحْسِبُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِمَا اللَّهُ مُدْبِرٌ فِيهِمْ، نَظَرًا مِنْهُ لَهُمْ، لِأَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ صَائِرٌ إِلَى هَلَاكِهِمْ وَبَوَارِهِمْ بِالسَّيْفِ فِي الدُّنْيَا وَاسْتِحْقَاقِهِمْ مِنَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ الْخِزْيَ الدَّائِمَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَيَسْأَلُكَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ مَا كَانَ شَأْنُهُ؟ وَمَا كَانَتْ قِصَّتُهُ؟ فَقُلْ لَهُمْ: سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْ خَبَرِهِ ذِكْرًا يَقُولُ: سَأَقُصُّ عَلَيْكُمْ مِنْهُ خَبَرًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ كَانُوا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَأَمَّا الْخَبَرُ بِأَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ كَانُوا مُشْرِكِي قَوْمِهِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ. وَأَمَّا الْخَبَرُ بِأَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوهُ كَانُوا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
فَحَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، قَالَ: ثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، عَنْ شَيْخَيْنِ، مِنْ نَجِيبٍ، قَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَتَحَدَّثُ، قَالَا: فَأَتَيَاهُ فَقَالَا: جِئْنَا لِتُحَدِّثَنَا، فَقَالَ: كُنْتُ يَوْمًا أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَقِيَنِي قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالُوا: نُرِيدُ أَنْ نَسْأَلَ -[٣٦٩]- رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَأْذَنَ لَنَا عَلَيْهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «مَا لِي وَمَا لَهُمْ، مَا لِي عِلْمٌ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ» ثُمَّ قَالَ: «اسْكُبْ لِي مَاءً» فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى، قَالَ: فَمَا فَرَغَ حَتَّى عَرَفْتُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَدْخِلْهُمْ عَلَيَّ، وَمَنْ رَأَيْتَ مِنْ أَصْحَابِي» فَدَخَلُوا فَقَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتُمْ سَأَلْتُمْ فَأَخْبَرْتُكُمْ عَمَّا تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ مَكْتُوبًا، وَإِنْ شِئْتُمْ أَخْبَرْتُكُمْ»، قَالُوا: بَلَى أَخْبِرْنَا، قَالَ: " جِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَمَا تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ: كَانَ شَابًّا مِنَ الرُّومِ، فَجَاءَ فَبَنَى مَدِينَةَ مِصْرَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَلَمَّا فَرَغَ جَاءَهُ مَلَكٌ فَعَلَا بِهِ فِي السَّمَاءِ، فَقَالَ لَهُ مَا تَرَى؟ فَقَالَ: أَرَى مَدِينَتِي وَمَدَائِنَ، ثُمَّ عَلَا بِهِ، فَقَالَ: مَا تَرَى؟ فَقَالَ: أَرَى مَدِينَتِي، ثُمَّ عَلَا بِهِ فَقَالَ: مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى الْأَرْضَ، قَالَ: فَهَذَا الْيَمُّ مُحِيطٌ بِالدُّنْيَا، إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكَ تُعَلِّمُ الْجَاهِلَ، وَتُثَبِّتُ الْعَالِمَ، فَأَتَى بِهِ السَّدَّ، وَهُوَ جَبَلَانِ لَيِّنَانِ يَزْلِقُ عَنْهُمَا كُلُّ شَيْءٍ، ثُمَّ مَضَى بِهِ حَتَّى جَاوَزَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، ثُمَّ مَضَى بِهِ إِلَى أُمَّةٍ أُخْرَى، وُجُوهُهُمْ وُجُوهُ الْكِلَابِ يُقَاتِلُونَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، ثُمَّ مَضَى بِهِ حَتَّى قَطَعَ بِهِ أُمَّةً أُخْرَى يُقَاتِلُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وُجُوهَهُمْ وُجُوهُ الْكِلَابِ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى قَطَعَ بِهِ هَؤُلَاءِ إِلَى أُمَّةٍ أُخْرَى قَدْ سَمَّاهُمْ " -[٣٧٠]- وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ قِيلَ لِذِي الْقَرْنَيْنِ: ذُو الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قِيلَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ ضَرَبَ عَلَى قَرْنِهِ فَهَلَكَ، ثُمَّ أُحْيِيَ فَضَرَبَ عَلَى الْقَرْنِ الْآخَرِ فَهَلَكَ


الصفحة التالية
Icon