أَحَدٌ إِلَّا مِنْ حَيْثِ يَعْلَمُ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ فِي عَمَلِهِمُ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْسَبُونَ فِيهِ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعَهُ، كَانُوا مُثَابِينَ مَأْجُورِينَ عَلَيْهَا، وَلَكِنِ الْقَوْلُ بِخِلَافِ مَا قَالُوا، فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ بِاللَّهِ كَفَرَةٌ، وَأَنَّ أَعْمَالَهُمْ حَابِطَةٌ. وَعَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] عَمَلًا، وَالصُّنْعُ وَالصَّنْعَةُ وَالصَّنِيعُ وَاحِدٌ، يُقَالُ: فَرَسٌ صَنِيعٌ بِمَعْنَى مَصْنُوعٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْنَا صِفَتَهُمُ، الْأَخْسَرُونَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ كَفَرُوا بِحُجَجِ رَبِّهِمْ وَأَدِلَّتِهِ، وَأَنْكَرُوا لِقَاءَهُ ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] يَقُولُ: فَبَطَلَتْ أَعْمَالُهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا ثَوَابٌ يَنْفَعُ أَصْحَابَهَا فِي الْآخِرَةِ، بَلْ لَهُمْ مِنْهَا عَذَابٌ وَخِزْي طَوِيلٌ ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَا نَجْعَلُ لَهُمْ ثِقَلًا. وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ: أَنَّهُمْ لَا تَثْقُلُ بِهِمْ مَوَازِينُهُمْ، لِأَنَّ الْمَوَازِينَ إِنَّمَا تَثْقُلُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَلَيْسَ لِهَؤُلَاءِ شَيْءٌ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَتَثْقُلُ بِهِ مَوَازِينُهُمْ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ -[٤٣٠]- الْأَعْمَشِ، عَنْ شِمْرٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِرَجُلٍ عَظِيمٍ طَوِيلٍ، فَلَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، اقْرَءُوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]


الصفحة التالية
Icon