وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا: ﴿لَا تَخَافُ﴾ [طه: ٧٧] عَلَى وَجْهِ الرَّفْعِ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْصَحُ اللُّغَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى جَائِزَةً. وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ [طه: ٧٧] اضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا لَا تَخَافُ فِيهِ دَرَكًا، قَالَ: وَحُذِفَ فِيهِ، كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ أَكْرَمْتُ، وَأَنْتَ تُرِيدُ: أَكْرَمْتُهُ، وَكَمَا تَقُولُ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أَيْ لَا تُجْزَى فِيهِ. وَأَمَّا نَحْوِيُّو الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ حَذْفَ فِيهِ إِلَّا فِي الْمَوَاقِيتِ، لِأَنَّهُ يَصْلُحُ فِيهَا أَنْ يُقَالَ: قُمْتُ الْيَوْمَ وَفِي الْيَوْمِ، وَلَا يُجِيزُونَ ذَلِكَ فِي الْأَسْمَاءِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَسَرَى مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنْ أَسْرِ بِهِمْ، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ حِينَ قَطَعُوا الْبَحْرَ، فَغِشِيَ فِرْعَوْنَ وَجُنْدَهُ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ، فَغَرِقُوا جَمِيعًا
﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَجَاوَزَ فِرْعَوْنُ بِقَوْمِهِ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَأَخَذَ بِهِمْ عَلَى غَيْرِ اسْتِقَامَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَلَكَ بِهِمْ طَرِيقَ أَهْلِ النَّارِ، بِأَمْرِهِمْ بِالْكُفْرِ بِاللَّهِ، وَتَكْذِيبِ -[١٢٤]- رُسُلِهِ ﴿وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩] يَقُولُ: وَمَا سَلَكَ بِهِمُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ مُوسَى، وَالتَّصْدِيقِ بِهِ، فَأَطَاعُوهُ، فَلَمْ يَهْدِهِمْ بِأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَهْتَدُوا بِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ


الصفحة التالية
Icon