وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا يُحِيطُ خَلْقَهُ بِهِ عِلْمًا. وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّهُ مُحِيطٌ بِعِبَادِهِ عِلْمًا، وَلَا يُحِيطُ عِبَادَهُ بِهِ عِلْمًا. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِي مَلَائِكَتِهِ وَمَا خَلْفَهُمْ، وَأَنَّ مَلَائِكَتَهُ لَا يُحِيطُونَ عِلْمًا بِمَا بَيْنَ أَيْدِي أَنْفُسِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ، وَقَالَ: إِنَّمَا أَعْلَمَ بِذَلِكَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَذَلِكَ لَا تَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهَا وَمَا خَلْفَهَا، مُوَبِّخُهُمْ بِذَلِكَ وَمُقْرِعُهُمْ بِأَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يُعْبَدُ، وَأَنَّ الْعِبَادَةَ إِنَّمَا تَصْلُحُ لِمَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اسْتَسَرَّتْ وُجُوهُ الْخَلْقِ، وَاسْتَسْلَمَتْ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي لَا -[١٧٢]- يَمُوتُ، الْقَيُّومُ عَلَى خَلْقِهِ بِتَدْبِيرِهِ إِيَّاهُمْ، وَتَصْرِيفِهِمْ لِمَا شَاءُوا. وَأَصْلُ الْعُنُوِّ الذُّلُّ، يُقَالُ مِنْهُ: عَنَا وَجْهُهُ لِرَبِّهِ يَعْنُو عُنُوًّا، يَعْنِي خَضَعَ لَهُ وَذَلَّ، وَكَذَلِكَ قِيلَ لِلْأَسِيرِ: عانَ لِذِلَّةِ الْأَسْرِ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَخَذْتُ الشَّيْءَ عَنْوَةً، فَإِنَّهُ يَكُونُ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ يَئُولُ إِلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ غَلَبَةً، وَيَكُونُ أَخَذَهُ عَنْ تَسْلِيمٍ وَطَاعَةٍ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]

هَلَ انْتَ مُطِيعِي أَيُّهَا الْقَلْبُ عَنْوَةً وَلَمْ تَلْحَ نَفْسٌ لَمْ تُلِمْ فِي اخْتِيَالِهَا
وَقَالَ آخَرُ:
[البحر الطويل]
فَمَا أَخَذُوهَا عَنْوَةً عَنْ مَوَدَّةٍ وَلَكِنْ بِحَدِّ الْمَشْرَفِيِّ اسْتَقَالَهَا
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ


الصفحة التالية
Icon