وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [الحج: ٥] يَقُولُ: ثُمَّ لِتَبْلُغُوا كَمَالَ عُقُولِكُمْ، وَنِهَايَةَ قُوَاكُمْ بِعُمُرِكُمْ. وَقَدْ ذَكَرْتُ اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْأَشُدِّ، وَالصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ عِنْدَنَا بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مِنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ يُتَوَفَّى قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ فَيَمُوتُ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُنْسَأُ فِي أَجَلِهِ فَيُعَمِّرُ حَتَّى يَهْرَمَ، فَيُرَدَّ مِنْ بَعْدِ انْتِهَاءِ شَبَابِهِ، وَبُلُوغِهِ غَايَةَ أَشُدِّهِ إِلَى أَرْذَلِ عُمْرِهِ، وَذَلِكَ الْهَرَمُ، حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ فِي حَالِ صِبَاهُ لَا يَعْقِلُ مِنْ بَعْدِ عَقْلِهِ الْأَوَّلِ شَيْئًا. وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ بَعْدَ بُلُوغِهِ أَشُدَّهُ ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ﴾ [الحج: ٥] كَانَ يَعْلَمُهُ ﴿شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج: ٥] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَتَرَى الْأَرْضَ يَا مُحَمَّدُ يَابِسَةً دَارِسَةَ الْآثَارِ مِنَ النَّبَاتِ وَالزَّرْعِ. وَأَصْلُ الْهُمُودِ: الدُّرُوسُ وَالدُّثُورُ، وَيُقَالُ مِنْهُ: هَمَدَتِ الْأَرْضُ تَهْمَدُ هُمُودًا، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى مَيْمُونِ بْنِ قَيْسٍ:
[البحر الكامل]
قَالَتْ قُتَيْلَةُ:
مَا لِجِسْمِكَ شَاحِبًا | وَأَرَى ثِيَابَكَ بَالِيَاتٍ هُمَّدَا |