قوله تعالى :﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها، وهو قوله تعالى :﴿ أَزِفَتِ الآزفة ﴾ [ النجم : ٥٧ ]، فكأنه أعاد ذلك مستدلاً عليه بقوله تعالى :﴿ أَزِفَتِ الآزفة ﴾ [ النجم : ٥٧ ]، وهو حقٌّ؛ إذ القمر انشق بقوله :« وَانْشَقَّ الْقَمَرُ » ماض على حقيقته، وهو قول عامة المسلمين إلا من لا يلتفت إلى قوله. وقد صح في الأخبار أن القمر انشق على عهده - ﷺ - مرتين. روى أنس بن مالك - ( رضي الله عنه ) - أن أهل مكة سألوا رسول الله - ﷺ - أن يريهم آيةً، فأراهُمُ القمر شَقَّتَيْنِ حتى رأوا حِرَاءَ بينهما، وقال سنان عن قتادة : فأراهم انشقاق القمر مرتين. وعن ابن مسعود - ( رضي الله عنه ) - قال : انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فِرْقَتَيْن فرقةً فوق الجبل، وفرقةٌ دونه، فقال رسول الله - ﷺ - :« اشْهَدُوا ». وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله : لم ينشق بمكة. وقال مقاتل : انشق القمر، ثم الْتَأَمَ بعد ذلك.
وروى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله قال : انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فقالت قريش : سحركم ابن أبي كبشة فقَدِموا السُّفَّار فسألوهم قالوا : نعم قد رأينا، فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾. وقيل : انشق بمعنى سينشق يوم القيامة، فأوقع الماضي موقع المستقبل لتحققه وهو خلاف الإجماع. وقيل : انشق بمعنى انفلق عنه الظلام عند طلوعه كما يسمى الصبح فلقاً وأنشد للنابغة :

٤٥٨٠- فَلَمَّا أَدْبَرُوا وَلَهُمْ دوِيٌّ دَعَانَا عِنْدَ شَقِّ الصُّبْحِ دَاعِي
وإنما ذكرنا ذلك تنبيهاً على ضعفه.
قوله :﴿ وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾، أي ذاهب سوف يذهب ويبطل من قولهم : مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ إذا ذهب مثل قولهم : قَرَّ واسْتَقَرَّ. قال مجاهد وقتادة : مَنّوا أنفسهم بذلك. وقيل : مستمر أي دائم؛ فإن محمداً - ﷺ - كان يأتي كل زمان ومكان بمعجزة فقالوا هذا سحر مستمر دائم، لا يختلف بالنسبة إلى شيء بخلاف سِحْر السَّحَرَة، فإن بعضهم يقدر على أمر وأمرين، وثلاثة، ويعجز عن غيرها وهو قادر على الكل. قاله الزمخشري. ومنه قول الشاعر :
٤٥٨١- أَلاَ إِنَّمَا الدُّنْيَا لَيَالٍ وَأَعْصُرٌ وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ قَوِيمٍ بِمُسْتَمِرْ
أي بدائم باقٍ. وقيل : معناه شديد المرارة. قال الزمخشري : أي مستبشع عندنا مرّ على لهواتنا لا نقدر أن نَسِيغَه كما لا نَسيغُ المُرَّ. انتهى.
يقال : مَرَّ الشَّيْءُ بنفسه وَمرَّهُ غَيْرُهُ؛ فيكون متعدياً ولازماً، ويقال : أَمَرَّهُ أيضاً.
وقال أبو العالية والضحاك : مستمر أي قويّ شديد، من قولهم : مَرَّ الحَبْل إذا صلب واشتد، وأَمْرَرْتُهُ إذا أحكمت فَتْلَهُ، واسْتَمرَّ إذا قَوِيَ واسْتَحكَمَ، قال لقيط - ( رحمةُ اللَّهِ عليه - ) :


الصفحة التالية
Icon