وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ [النمل: ٣٦] يَقُولُ: فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ مِنَ الْمَالِ وَالدُّنْيَا أَكْثَرُ مِمَّا أَعْطَاكُمْ مِنْهَا وَأَفْضَلُ.
﴿بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦] يَقُولُ: مَا أَفْرَحُ بِهَدِيَّتِكُمُ الَّتِي أَهْدَيْتُمْ إِلَيَّ، بَلْ أَنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِالْهَدِيَّةِ الَّتِي تَهْدَى إِلَيْكُمْ، لِأَنَّكُمْ أَهْلُ مُفَاخَرَةٍ بِالدُّنْيَا، وَمُكَاثَرَةٍ بِهَا، وَلَيْسَتِ الدُّنْيَا وَأَمْوَالُهَا مِنْ حَاجَتِي، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ مَكَّنَنِي مِنْهَا وَمَلَّكَنِي فِيهَا مَا لَمْ يُمَلِّكْ أَحَدًا. ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٣٧] وَهَذَا قَوْلُ سُلَيْمَانَ لِرَسُولِ الْمَرْأَةِ ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ، فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل: ٣٧] لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهَا، وَلَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى دَفْعِهِمْ عَمَّا أَرَادُوا مِنْهُمْ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: " لَمَّا أَتَتِ الْهَدَايَا سُلَيْمَانَ فِيهَا الْوَصَائِفُ وَالْوُصَفَاءُ، وَالْخَيْلُ الْعِرَابُ، وَأَصْنَافٌ مِنْ أَصْنَافِ الدُّنْيَا، قَالَ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِ: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ، فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ، بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦] لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِي بِهَدِيَّتِكُمْ، وَلَيْسَ رَأْيِي فِيهِ كَرَأْيِكُمْ، فَارْجِعُوا إِلَيْهَا بِمَا جِئْتُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِهَا، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل: ٣٧] "