حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ٨٣] قَالَ: وَزْعَةً تَرُدُّ أُولَاهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ ". وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ٨٣] فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِشَوَاهِدِهِ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: حَتَّى إِذَا جَاءَ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجٌ مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَاجْتَمَعُوا قَالَ اللَّهُ: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ [النمل: ٨٤] أَيْ بِحُجَجِي وَأَدِلَّتِي ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ [النمل: ٨٤] يَقُولُ وَلَمْ تَعْرِفُوهَا حَقَّ مَعْرِفَتِهَا؟ ﴿أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فِيهَا مِنْ تَكْذِيبٍ أَوْ تَصْدِيقٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ. أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَوَجَبَ السَّخَطُ وَالْغَضَبُ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِهِ ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] يَعْنِي بِتَكْذِيبِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ، يَوْمَ يُحْشَرُونَ، ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] يَقُولُ: فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ يُدْفَعُونَ بِهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ عَظِيمَ مَا حَلَّ بِهِمْ وَوَقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقَوْلِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [النمل: ٨٦] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَمْ يَرَ -[١٣١]- هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِآيَاتِنَا تَصْرِيفَنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَمُخَالَفَتَنَا بَيْنَهُمَا بِتَصْيِيرِنَا هَذَا سَكَنًا لَهُمْ يَسْكُنُونَ فِيهِ، وَيُهْدَوْنَ رَاحَةَ أَبْدَانِهِمْ مِنْ تَعَبِ التَّصَرُّفِ وَالتَّقَلُّبِ نَهَارًا، وَهَذَا مُضِيئًا يُبْصِرُونَ فِيهِ الْأَشْيَاءَ وَيُعَايِنُونَهَا فَيَتَقَلَّبُونَ فِيهِ لِمَعَايِشِهِمْ، فَيَتَفَكَّرُوا فِي ذَلِكَ، وَيَتَدَبَّرُوا وَيَعْلَمُوا أَنَّ مُصَرِّفَ ذَلِكَ كَذَلِكَ هُوَ الْإِلَهُ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إِمَاتَةَ الْأَحْيَاءِ، وَإِحْيَاءَ الْأَمْوَاتِ بَعْدَ الْمَمَاتِ، كَمَا لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ الذَّهَابُ بِالنَّهَارِ وَالْمَجِيءُ بِاللَّيْلِ، وَالْمَجِيءُ بِالنَّهَارِ وَالذَّهَابُ بِاللَّيْلِ مَعَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمَا.


الصفحة التالية
Icon