السَّمَاوَاتِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالشَّيَاطِينِ، مِنْ هَوْلِ مَا يُعَايِنُونَ ذَلِكَ الْيَوْمَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: فَفَزِعَ، فَجَعَلَ فَزِعَ وَهِيَ فَعِلَ مَرْدُودَةً عَلَى يُنْفَخُ، وَهِيَ يُفْعَلُ؟ قِيلَ: الْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَصْلُحُ فِيهَا إِذَا، لِأَنَّ إِذَا يَصْلُحُ مَعَهَا فَعَلَ وَيَفْعَلُ، كَقَوْلِكَ: أَزُورُكَ إِذَا زُرْتَنِي، وَأَزُورُكَ إِذَا تَزُورُنِي، فَإِذَا وُضِعَ مَكَانَ إِذَا يَوْمَ أُجْرِيَ مَجْرَى إِذَا. فَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ جَوَّابُ قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ﴾ [النمل: ٨٧] قِيلَ: جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُضْمَرًا مَعَ الْوَاوِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ، وَذَلِكَ يَوْمَ يَنْفُخُ فِي الصُّورِ. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَتْرُوكًا اكْتَفَى بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مِنْهُ، كَمَا قِيلَ: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٦٥] فَتَرَكَ جَوَابَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] قِيلَ: إِنَّ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ أَنْ يَنَالَهُمُ الْفَزَعُ يَوْمَئِذٍ الشُّهَدَاءُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَإِنْ كَانُوا فِي عِدَادِ الْمَوْتَى عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَبِذَلِكَ جَاءَ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْخَبَرِ الْمَاضِي.
وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: " ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قَالَ: هُمُ الشُّهَدَاءُ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] يَقُولُ: وَكُلٌّ أَتَوْهُ صَاغِرِينَ. -[١٣٦]- وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.