ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: " ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١] يَعْنِي: مَكَّةَ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١] يَقُولُ: وَلِرَبِّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مُلْكًا. فَإِيَّاهُ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ، لَا مَنْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا. وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١] فَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ دُونَ سَائِرِ الْبُلْدَانِ، وَهُوَ رَبُّ الْبِلَادِ كُلِّهَا، لِأَنَّهُ أَرَادَ تَعْرِيفَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ بِذَلِكَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَإِحْسَانَهُ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ هُوَ الَّذِي حَرَّمَ بَلَدَهُمْ، فَمَنَعَ النَّاسَ مِنْهُمْ، وَهُمْ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ يَأْكُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لَا مَنْ لَمْ تُجَرَّ لَهُ عَلَيْهِمْ نِعْمَةٌ، وَلَا يَقْدِرُ لَهُمْ عَلَى نَفْعٍ وَلَا ضُرٍّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] يَقُولُ: وَأَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أُسْلِمَ وَجْهِيَ لَهُ حَنِيفًا، فَأَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ دَانُوا بِدِينِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ وَجَدِّكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ، لَا مَنْ خَالَفَ دِينَ جَدِّهِ الْمُحَقِّ، وَدَانَ دِينَ إِبْلِيسَ عَدُوِّ اللَّهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١] وَ ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ اتْلُوَ الْقُرْآنَ، فَمَنِ اهْتَدَى﴾ يَقُولُ: فَمَنْ تَبِعَنِي وَآمَنَ بِي وَبِمَا -[١٤٧]- جِئْتُ بِهِ، فَسَلَكَ طَرِيقَ الرَّشَادِ ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [يونس: ١٠٨] يَقُولُ: فَإِنَّمَا يَسْلُكُ سَبِيلَ الصَّوَابِ بِاتِّبَاعِهِ إِيَّايَ، وَإِيمَانِهِ بِي، وَبِمَا جِئْتُ بِهِ لِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ بِإِيمَانِهِ بِي، وَبِمَا جِئْتُ بِهِ يَأْمَنُ نَقْمَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَعَذَابَهُ فِي الْآخِرَةِ.