ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] قَالَ: الْعُصْبَةُ: ثَلَاثَةٌ "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ، قَالَ: ثنا أَبُو رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] قَالَ: الْعُصْبَةُ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ ". وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَتْ تُحْمَلُ مَا بَيْنَ عَشَرَةٍ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] قَالَ: الْعُصْبَةُ: مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] قَالَ: الْعُصْبَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا "
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] يَعْنِي: أُولِي الشِّدَّةِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ -[٣١٧]- ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] قَالَ: خَمْسَةُ عَشَرَ ". فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] وَكَيْفَ تَنُوءُ الْمَفَاتِحُ بِالْعُصْبَةِ، وَإِنَّمَا الْعُصْبَةُ هِيَ الَّتِي تَنُوءُ بِهَا؟ قِيلَ: اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: مَجَازُ ذَلِكَ: مَا إِنَّ الْعُصْبَةَ ذَوِي الْقُوَّةِ لَتَنُوءُ بِمَفَاتِحِ نِعَمِهِ. قَالَ: وَيُقَالُ فِي الْكَلَامِ: إِنَّهَا لَتَنُوءُ بِهَا عَجِيزَتُهَا، وَإِنَّمَا هُوَ: تَنُوءُ بِعَجِيزَتِهَا كَمَا يَنُوءُ الْبَعِيرُ بِحَمْلِهِ، قَالَ: وَالْعَرَبُ قَدْ تَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا. قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]

فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي وَمَالِي وَمَا آلُوكَ إِلَّا مَا أُطِيقُ
وَالْمَعْنَى: فَدَيْتُ بِنَفْسِي وَبِمَالِي نَفْسَهُ. وَقَالَ آخَرُ:
[البحر الطويل]
وَتَرْكَبُ خَيْلًا لَا هَوَادَةَ بَيْنَهَا وَتَشْقَى الرِّمَاحُ بِالضَّيَاطِرَةِ الْحُمْرِ
وَإِنَّمَا تَشْقَى الضَّيَاطِرَةُ بِالرِّمَاحِ. قَالَ: وَالْخَيْلُ هَا هُنَا: الرِّجَالُ. وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ [القصص: ٧٦] قَالَ: وَهَذَا مَوْضِعٌ لَا يَكَادُ يُبْتَدَأُ فِيهِ «إِنَّ»، وَقَدْ قَالَ: ﴿إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]. وَقَوْلُهُ: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] إِنَّمَا الْعُصْبَةُ تَنُوءُ بِهَا؛ وَفِي الشَّعْرِ:
[البحر الكامل]
-[٣١٨]- تَنُوءُ بِهَا فَتُثْقِلُهَا عَجِيزَتُهَا
وَلَيْسَتِ الْعَجِيزَةُ تَنُوءُ بِهَا، وَلَكِنَّهَا هِيَ تَنُوءُ بِالْعَجِيزَةِ؛ وَقَالَ الْأَعْشَى:
[البحر الكامل]
مَا كُنْتُ فِي الْحَرْبِ الْعَوَانِ مُغَمَّرًا إِذْ شَبَّ حَرُّ وَقُودِهَا أَجْذَالَهَا
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يُنْكِرُ هَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ، وَابْتِدَاءُ إِنَّ بَعْدَ مَا، وَيَقُولُ: ذَلِكَ جَائِزٌ مَعَ مَا وَمَنْ، وَهُوَ مَعَ مَا وَمَنْ أَجْوَدُ مِنْهُ مَعَ الَّذِي، لِأَنَّ الَّذِي لَا يَعْمَلُ فِي صِلَتِهِ، وَلَا تَعْمَلُ صِلَتُهُ فِيهِ، فَلِذَلِكَ جَازَ، وَصَارَتِ الْجُمْلَةُ عَائِدُ «مَا»، إِذْ كَانَتْ لَا تَعْمَلُ فِي «مَا»، وَلَا تَعْمَلُ «مَا» فِيهَا؛ قَالَ: وَحَسُنَ مَعَ «مَا» وَ «مَنْ»، لِأَنَّهُمَا يَكُونَانِ بِتَأْوِيلِ النَّكِرَةِ إِنْ شِئْتَ، وَالْمَعْرِفَةِ إِنْ شِئْتَ، فَتَقُولُ: ضَرَبْتُ رَجُلًا لَيَقُومَنَّ، وَضَرَبْتُ رَجُلًا إِنَّهُ لَمُحْسِنٌ، فَتَكُونُ «مَنْ وَمَا» تَأْوِيلُ هَذَا، وَمَعَ «الَّذِي» أَقْبَحُ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بِتَأْوِيلِ النَّكِرَةِ. وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] : نَوْءُهَا بِالْعُصْبَةِ: أَنْ تُثْقِلَهُمْ؛ وَقَالَ: الْمَعْنَى: إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتُنِيءُ الْعُصْبَةَ: تُمِيلُهُنَّ مِنْ ثِقَلِهَا، فَإِذَا أُدْخِلَتِ الْبَاءُ قُلْتَ: تَنُوءُ بِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] قَالَ وَالْمَعْنَى: آتُونِي بِقِطْرٍ أُفْرِغْ عَلَيْهِ؛ فَإِذَا حُذِفَتِ الْبَاءُ، زِدْتَ عَلَى الْفِعْلِ أَلِفًا فِي أَوَّلِهِ؛ وَمِثْلُهُ: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم: ٢٣] مَعْنَاهُ: فَجَاءَ بِهَا الْمَخَاضُ؛ وَقَالَ: قَدْ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: مَا إِنَّ الْعُصْبَةَ تَنُوءُ بِمَفَاتِحِهِ، فَحَوَّلَ الْفِعْلَ إِلَى الْمَفَاتِحِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الرجز]
إِنَّ سِرَاجًا لَكَرِيمٌ مَفْخَرُهْ تَحْلَى بِهِ الْعَيْنُ إِذَا مَا تَجْهَرُهْ
-[٣١٩]- وَهُوَ الَّذِي يَحْلَى بِالْعَيْنِ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ سَمِعَ أَثَرًا بِهَذَا، فَهُوَ وَجْهٌ، وَإِلَّا فَإِنَّ الرَّجُلَ جَهِلَ الْمَعْنَى. قَالَ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ الْعَرَبِ:
حَتَّى إِذَا مَا الْتَأَمَتْ مَوَاصِلُهُ وَنَاءَ فِي شِقِّ الشِّمَالِ كَاهِلُهُ
يَعْنِي: الرَّامِي لِمَا أَخَذَ الْقَوْسَ، وَنَزَعَ مَالَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَنَرَى أَنَّ قَوْلَ الْعَرَبِ: مَا سَاءَكَ، وَنَاءَكَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَعْنَاهُ: مَا سَاءَكَ وَأَنَاءَكَ مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ أَلْقَى الْأَلْفَ لِأَنَّهُ مُتْبَعٌ لِسَاءَكَ، كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ: أَكَلْتُ طَعَامًا فَهَنَّأَنِي وَمَرَّأَنِي، وَمَعْنَاهُ: إِذَا أَفْرَدْتَ: وَأَمْرَأَنِي فَحُذِفَتْ مِنْهُ الْأَلْفُ لِمَا أَتْبَعَ مَا لَيْسَ فِيهِ أَلْفٌ. وَهَذَا الْقَوْلُ الْآخَرُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] : أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْأَقْوَالِ الْأُخَرِ، لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَأْوِيلٌ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْآثَارَ الَّتِي ذَكَرْنَا عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِنَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى جَاءَتْ، وَإِنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: مَا إِنَّ الْعُصْبَةَ لَتَنُوءُ بِمَفَاتِحَهُ، إِنَّمَا هُوَ تَوْجِيهٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: مَا إِنَّ الْعُصْبَةَ لَتَنْهَضُ بِمَفَاتِحِهِ؛ وَإِذَا وُجِّهَ إِلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ كَثْرَةِ كُنُوزِهِ، عَلَى نَحْوِ مَا فِيهِ، إِذَا وُجِّهَ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: إِنَّ مَفَاتِحَهُ تُثْقِلُ الْعُصْبَةَ وَتُمِيلُهَا، لِأَنَّهُ قَدْ تَنْهَضُ الْعُصْبَةُ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْمَفَاتِحِ وَبِالْكَثِيرِ. وَإِنَّمَا قَصَدَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَرَ عَنْ كَثْرَةِ ذَلِكَ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ كَثْرَتِهِ، كَانَ لَا شَكَّ أَنَّ الَّذِيَ قَالَهُ مِنْ ذِكْرِنَا قَوْلَهُ، مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ: لَتَنُوءُ الْعَصَبَةُ بِمَفَاتِحِهِ، قَوْلٌ لَا مَعْنًى لَهُ، هَذَا مَعَ خِلَافِهِ تَأْوِيلَ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ.


الصفحة التالية
Icon