البحر المحيط، ج ١، ص : ٥١٦
وقال الماتريدي : يحتمل أن يكون الافتتاح باسم اللّه، على سبيل التعظيم لمن ذكر بعده، كقوله تعالى : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ «١»، وخص جبريل وميكال بالذكر تشريفا لهما وتفضيلا. وقد ذكرنا عن أستاذنا أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير، قدس اللّه روحه، أنه كان يسمي لنا هذا النوع بالتجريد، وهو أن يكون الشيء مندرجا تحت عموم، ثم تفرده بالذكر، وذلك لمعنى مختص به دون أفراد ذلك العام. فجبريل وميكال جعلا كأنهما من جنس آخر، ونزل التغاير في الوصف كالتغاير في الجنس، فعطف. وهذا النوع من العطف، أعني عطف الخاص على العام، على سبيل التفضيل، هو من الأحكام التي انفردت بها الواو، فلا يجوز ذلك في غيرها من حروف العطف. وقيل : خصا بالذكر، لأن اليهود ذكرهما، ونزلت الآية بسببهما. فلو لم يذكرا، لكان لليهود تعلق بأن يقولوا : لم نعاد اللّه؟ ولا جميع ملائكته؟ وقيل : خصا بالذكر دفعا لإشكال : أن الموجب للكفر عداوة جميع الملائكة، لا واحد منهم. فكأنه قيل : أو واحد منهم. وجاء هذا الترتيب في غاية الحسن، فابتدئ بذكر اللّه، ثم بذكر الوسائط التي بينه وبين الرسل، ثم بذكر الوسائط التي بين الملائكة وبين المرسل إليهم. فهذا ترتيب بحسب الوحي. ولا يدل تقديم الملائكة في الذكر على تفضيلهم على رسل بني آدم، لأن الترتيب الذي ذكرناه هو ترتيب بالنسبة إلى الوسائط، لا بالنسبة إلى التفضيل. ويأتي قول الزمخشري : بأن الملائكة أشرف من الأنبياء، إن شاء اللّه، قالوا : واختصاص جبريل وميكال بالذكر يدل على كونهما أشرف من جميع الملائكة. وقالوا : جبريل أفضل من ميكال، لأنه قدم في الذكر، ولأنه ينزل بالوحي والعلم، وهو مادة الأرواح.
وميكال ينزل بالخصب والأمطار، وهي مادة الأبدان، وغذاء الأرواح أشرف من غذاء الأشباح، انتهى. ويحتاج تفضيل جبريل على ميكائيل إلى نص جلي واضح، والتقدم في الذكر لا يدل على التفضيل، إذ يحتمل أن يكون ذلك من باب الترقي. ومن : في قوله : مَنْ كانَ عَدُوًّا شرطية. واختلف في الجواب فقيل : هو محذوف، تقديره : فهو كافر، وحذف لدلالة المعنى عليه. وقيل الجواب : فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ، وأتي باسم اللّه ظاهرا، ولم يأت بأنه عدوّ لاحتمال أن يفهم أن الضمير عائد على اسم الشرط فينقلب المعنى، أو عائد على أقرب مذكور، وهو ميكال، فأظهر الاسم لزوال اللبس، أو للتعظيم والتفخيم، لأن العرب إذا فخمت شيئا كررته بالاسم الذي تقدم له ومنه : لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ «٢»، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ «٣»، وقول الشاعر :
(١) سورة الأنفال : ٨/ ٤١.
(٢) سورة الحج : ٢٢/ ٦٠.
(٣) سورة الحج : ٢٢/ ٤٠.