دُونَ كُلِّ مَنْ سِوَاهُ، يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ، فَيُوَسِّعُهُ عَلَيْهِ، وَيَقْدِرُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَيُضَيِّقُهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حِجَجِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، لَيَعْتَبِرُوا بِهِ وَيَتَذَكَّرُوا، وَيَعْلَمُوا أَنَّ الرَّغْبَةَ إِلَيْهِ وَالرَّهْبَةَ دُونَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ [يونس: ٦٧] يَقُولُ: إِنَّ فِي بَسْطِ اللَّهِ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ، وَتَقْتِيرِهِ عَلَى مَنْ أَرَادَ لَآيَاتٍ، يَعْنِي: دَلَالَاتٍ وَعَلَامَاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] يَعْنِي: يُصَدِّقُونَ بِالْحَقِّ، فَيَقِرُّونَ بِهِ إِذَا تَبَيَّنُوهُ وَعَلِمُوا حَقِيقَتَهُ أَنَّ الَّذِيَ يَفْعَلُ ذَلِكَ هُوَ اللَّهُ دُونَ كُلِّ مَا سِوَاهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، قَالُوا لَمَّا دُعُوا إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ: كَيْفَ نُؤْمِنُ وَقَدْ أَشْرَكْنَا وَزَنَيْنَا، وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَاللَّهُ يُعِدُ فَاعِلَ ذَلِكَ النَّارَ، فَمَا يَنْفَعُنَا مَعَ مَا قَدْ سَلَفَ مِنَّا الْإِيمَانُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] " وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ مَنْ عَبَدَ الْأَوْثَانَ، وَدَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَكَيْفَ نُهَاجِرُ وَنُسَلِّمُ، وَقَدْ عَبَدْنَا الْآلِهَةَ، وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَنَحْنُ أَهْلُ الشِّرْكِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] يَقُولُ: لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَحْمَتِي، -[٢٢٥]- إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا وَقَالَ: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] وَإِنَّمَا يُعَاتِبُ اللَّهُ أُولِي الْأَلْبَابِ وَإِنَّمَا الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، فَإِيَّاهُمْ عَاتَبَ، وَإِيَّاهُمْ أَمَرَ إِنْ أَسْرَفَ أَحَدُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، أَنْ لَا يَقْنَطَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَأَنْ يُنِيبَ وَلَا يُبْطِئَ بِالتَّوْبَةِ مِنْ ذَلِكَ الْإِسْرَافِ، وَالذَّنْبِ الَّذِي عَمِلَ؛ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ الْمُؤْمِنِينَ حِينَ سَأَلُوا اللَّهَ الْمَغْفِرَةَ، فَقَالُوا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يُصيبُونَ الْإِسْرَافَ، فَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنْ إِسْرَافِهِمْ "