فِي قَوْلِهِ: وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُو قُرَيْشٌ وَسَائِرُ الْعَرَبِ مِنْ دُونِ اللَّهِ الشَّفَاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ اسْتَثْنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وَهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ شَهَادَةَ الْحَقِّ فَيُوَحِّدُونَ اللَّهَ، وَيُخْلِصُونَ لَهُ الْوَحْدَانِيَّةَ، عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ وَيَقِينٍ بِذَلِكَ، أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ عِنْدَهُ بِإِذْنِهِ لَهُمْ بِهَا، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] فَأَثْبَتَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْمَلَائِكَةِ وَعِيسَى وَعُزَيْرٍ مِلْكَهُمْ مِنَ الشَّفَاعَةِ مَا نَفَاهُ عَنِ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ بِاسْتِثْنَائِهِ الَّذِي اسْتَثَنَاهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مِنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَئِنْ سَأَلْتَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمَكَ: مَنْ خَلَقَهُمْ؟ لَيَقُولُنَّ: اللَّهُ خَلَقَنَا ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١] فَأَيَّ وَجْهٍ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبَادَةِ الَّذِي خَلَقَهُمْ، وَيُحْرَمُونَ إِصَابَةَ الْحَقِّ فِي عِبَادَتِهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَقِيلِهِ﴾ [الزخرف: ٨٨] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ: (وَقِيلَهُ) بِالنَّصْبِ وَإِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ ذَلِكَ، كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي التَّأْوِيلِ: أَحَدُهُمَا الْعَطْفُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠] وَنَسْمَعُ قَيْلَهُ يَا رَبِّ وَالثَّانِي: أَنْ يُضْمَرَ لَهُ نَاصِبٌ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ: وَقَالَ قَوْلَهُ: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وَشَكَا مُحَمَّدٌ شَكْوَاهُ إِلَى رَبِّهِ وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ


الصفحة التالية
Icon