وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا هَذَا الْقُرْآنُ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ مَلْعُونٍ مَطْرُودٍ، وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ عَنْ هَذَا الْقُرْآنِ، وَتَعْدِلُونَ عَنْهُ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْتَأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] يَقُولُ: فَأَيْنَ تَعْدِلُونَ عَنْ كِتَابِي وَطَاعَتِي وَقِيلَ: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] وَلَمْ يَقُلْ: فَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبُونَ، كَمَا يُقَالُ: ذَهَبْتُ الشَّأْمَ، وَذَهَبْتُ السُّوقَ. وَحُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا: انْطَلَقَ بِهِ الْغَوْرَ، عَلَى مَعْنَى إِلْغَاءِ الصِّفَةِ، وَقَدْ يُنْشَدُ لِبَعْضِ بَنِي عُقَيْلٍ:
[البحر الوافر]
تَصِحُّ بِنَا حَنِيفَةُ إِذْ رَأَتْنَا | وَأَيُّ الْأَرْضِ تَذْهَبُ لِلصِّيَاحِ |
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنْ﴾ [البقرة: ٦] هَذَا الْقُرْآنُ، وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ﴾ [البقرة: ٢٩] مِنْ ذِكْرِ الْقُرْآنِ ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف: ١٠٤] يَقُولُ: إِلَّا تَذْكِرَةً وَعِظَةً لِلْعَالَمِينَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. ﴿لِمَنْ -[١٧٢]- شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] فَجَعَلَ ذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ، ذِكْرًا لِمَنْ شَاءَ مِنَ الْعَالَمِينَ أَنْ يَسْتَقِيمَ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ ذِكْرًا لِجَمِيعِهِمْ، فَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾ [المدثر: ٣٧] إِبْدَالٌ مِنَ اللَّامِ فِي لِلْعَالَمِينَ. وَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ فَيَتَّبِعَهُ، وَيُؤْمَنَ بِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْتَأْوِيلِ