وهذا والله أعلم فيه تسلية للرسول ﷺ وأصحابه الذين أخرجوا من مكة وفارقوا مسجدهم ومصلاهم وقد كان رسول الله ﷺ يصلّي بمكّة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه، فلما قدم المدينة وجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً ثم صرفه الله إلى الكعبة بعد، ولهذا يقول تعالى :﴿ وَللَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : كان أول ما نسخ من القرآن القبلة. وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة وكان أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم، وكان يدعو وينظر إلى السماء فأنزل الله :﴿ قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء ﴾ [ البقرة : ١٤٤ ] إلى قوله :﴿ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [ البقرة : ١٤٤ ]. فارتاب من ذلك اليهود وقالوا :﴿ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا ﴾ [ البقرة : ١٤٢ ]. فأنزل الله ﴿ قُل للَّهِ المشرق والمغرب ﴾ [ البقرة : ١٤٢ ]، وقال :﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ وقال عكرمة : عن ابن عباس ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ قال : قبلة الله أينما توجهت شرقاً أو غرباً وقال مجاهد ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ : حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها الكعبة. وقال ابن جرير : وقال آخرون : بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها ليعلم نبيّه ﷺ وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب، لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهاً من ذلك وناحية إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية، لأن له تعالى المشارق والمغارب وأنه لا يخلوا منه مكان كما قال تعالى :﴿ وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ﴾ [ المجادلة : ٧ ] قالوا : ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم التوجه إلى المسجد الحرام هكذا قال، وفي قوله : وأنه تعالى لا يخلوا منه مكان؛ إن أراد علمه تعالى فصحيح، فإنَّ علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ إذناً من الله أن يصلي ( المتطوع ) حيث توجه من شرق أو غرب في سفره لما روي عن ابن عمر أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته ويذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك ويتأول هذه الآية :﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآي في قوم عميت عليه القبلة فلم يعرفوا شطرها، فصلُّوا على أنحاء مختلفة، فقال الله تعالى : لي المشارق والمغارب، فأين وليتم وجوهكم فهناك وجهي وهو قبلتكم فيعلمكم بذلك أن صلاتكم ماضية، لما روي عن عامر بن ربيعة عن أبيه قال : كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلاً فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجداً يصلي فيه، فلما أن أصبحنا إذا نحن قد صلينا إلىغير القبلة، فقلنا : يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة فأنزل الله تعالى :﴿ وَللَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ الآية.