عن ابن عباس قال : كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين فرخص لهم فنزلت هذه الآية :﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ الآية وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلاّ على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين.
وقوله تعالى :﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ كقوله :﴿ مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ ﴾ [ فصلت : ٤٦، الجاثية : ١٥ ] ونظائرها في القرآن كثيرة، وقوله :﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ الله ﴾، قال الحسن البصري : نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلا ابتغاء وجه الله. وقال عطاء الخراساني : يعني إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان من عمله، وهذا معنى حسن، وحاصله : أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجره على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب : أَلبِرّ أو فاجر، أو مستحق أو غيره، وهو مثاب على قصده، ومستند هذا تمام الآية :﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾، والحديث المخرج في الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :« قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون : تُصُدِّق على زانية، فقال : اللهم لك الحمد على زانية! لأتصدقن الليلة بصدقة، فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون : تُصدق على غني، قال : اللهم لك الحمد على غني! لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون : تصدق الليلة على سارق فقال : اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق، فأُتي فقيل له : أما صدقتك فقد قُبلت، وأما الزانية فلعلها أن تستعفف بها عن زنا، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته ».
وقوله تعالى :﴿ لِلْفُقَرَآءِ الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ يعني المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى الله وإلى رسوله وسكنوا المدينة، وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم، و ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرض ﴾ يعني سفراً للتسبب في طلب المعاش. والضرب في الارض : هو السفر. قال الله تعالى :﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ﴾ [ النساء : ١٠١ ]، وقال تعالى :﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله ﴾ [ المزمل : ٢٠ ] الآية.
وقوله تعالى :﴿ يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف ﴾ أي الجاهل بأمرهم وحالهم، يحسبهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم، وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ :