اختلف المفسرون في هذا الوعد : هل كان يوم بدر أو يوم أُحُد؟ على قولين أحدهما : إن قوله :﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ متعلق بقوله :﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ ﴾ [ آل عمران : ١٢٣ ] واختاره ابن جرير. قال عباد بن منصور عن الحسن في قوله :﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءالاف مِّنَ الملائكة ﴾، قال : هذا يوم بدر. وقال الربيع بن أنَس : أمد الله المسلمين بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف، فإن قيل : فما الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله في قصة بدر :﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة مُرْدِفِينَ ﴾ [ الأنفال : ٩ ] - إلى قوله - ﴿ إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [ الأنفال : ١٠ ] ؟ فالجواب أن التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله :﴿ مُرْدِفِينَ ﴾ بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم، وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، والله أعلم.
( القول الثاني ) : إن هذا الوعد متعلق بقوله :﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ [ آل عمران : ١٢١ ] وذلك يوم أُحُد، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك، لكن قالوا : لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف لأن المسلمين فروا يومئذٍ، وقوله تعالى :﴿ بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ يعني تصبروا على مصابرة عدوكم، وتتقوني وتطيعوا أمري، وقوله تعالى :﴿ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هذا ﴾، قال الحسن وقتادة : أي من وجههم هذا، وقال مجاهد وعكرمة : أي من غضبهم هذا. وقال ابن عباس : من سفرهم هذا، ويقال : من غضبهم هذا، وقوله تعالى :﴿ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالاف مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ ﴾ أي معلمين بالسيما. عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض، وكان سيماهم أيضاً في نواصي خيولهم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه في هذه الآية ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾ قال : بالعهن الأحمر، وقال ابن عباس رضي الله عنه : أتت الملائكة محمداً ﷺ مسوّمين بالصوف فسوم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف، وقال قتادة وعكرمة :﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾ أي بسيما القتال. وعن ابن عباس قال : كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمر، ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون عدداً ومدداً لا يضربون. وقوله تعالى :﴿ وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾ أي وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالهم إلا بشارة لكم وتطييباً لقلوبكم وتطميناً، وإلا فإنما النصر من عند الله الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال :


الصفحة التالية
Icon